الفن البطيء مساحة للتأمل والاستغراق والنشوة البصرية

الاثنين 2014/06/09
كنيسة العائلة المقدسة في برشلونة نموذج حي للبناء البطيء

برشلونة- منذ انطلاق الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر بالمملكة المتحدة، تسارع إيقاع الحياة إلى درجة لم يجد فيها الإنسان متسعا من الوقت كي يلتقط أنفاسه، لا غرابة أن يصبح كل شيء سريعا وضاجا ومنفعلا، فلا وجود للهدوء والسكينة وراحة البال، ولا وجود للتأمل والتفكر وإطالة النظر.

هنا برزت الحاجة إلى البطء والتأني والتمهل، فظهر الفن البطيء كردّ فعل للفن السريع، والحياة البطيئة كنقيض للحياة السريعة، والوجبة البطيئة كندّ للوجبة السريعة.

يعتقد الكثير من النقاد والباحثين في شؤون النفس البشرية، والمختصين بدراستها إن احتياجات الإنسان المعاصر لا تقتصر على وجود المدن البطيئة، والحياة البطيئة، والوجبة البطيئة، وإنما تتعدّى هذه الاحتياجات إلى الفن البطيء، والسينما البطيئة، والمعمار البطيء وما إلى ذلك.

لا شك أن هذا المقال يعتمد كليا في بنيته الداخلية على ثنائية “السرعة والبطء”. وطالما أن حياتنا تتسارع يوما إثر يوم بسبب الثورة الألكترونية والتقدم العلمي المذهل الذي تشهده البشرية في مستهل الألفية الثالثة، فإن البطء أصبح حاجة ماسة وملحّة للغالبية العظمى من الناس الذين يعيشون في المدن السريعة على وجه التحديد. ولأن هذا الموضوع واسع بمكان، ولا يمكن تغطيته في مقال قصير، فسوف نركز على ثلاثة محاور أساسية لها علاقة مباشرة بالجانب الإبداعي كالفن التشكيلي والسينما والعمارة.

خطّ الفنان التشكيلي الأميركي تيم سلوَنسكي عام 1978 على واجهة الأستوديو الجمل الآتية التي تقول: “بأن الفن البطيء هو طريقة حياة، ووسيلة للكينونة، ومنهج لإدراك العالم”. وهو يرى أن مفهوم الفن البطيء، الذي وُلِد كندّ قوي للحياة الصاخبة، هو دليل دامغ على إخلاص الفنان لفنه، وسعيه اللامحدود من أجل تقديم هذا الفن بطريقة هادئة، تتيح للمتلقي أن يستغرق في التفاصيل الدقيقة للعمل الفني أيا كان شكله ومضمونه والتيار الذي ينتمي إليه.

يعتقد سلوَنِسكي بأن الفن هو نداء داخلي يصدر من أعماق الإنسان القلق ولا بدّ من وجود المتلقي في فضاء هادئ يشجع على التفاعل مع الأعمال الفنية التي يتمثلها، ويطيل النظر في تفاصيلها الدقيقة، ثم يقبض في نهاية المطاف على المتعة والفائدة والنشوة الفنية التي لا يستشعرها إلا المتلقي الموهوب الذي يوازي خالق العمل في موهبته وإبداعه معا.

لقد انتبه صنّاع السينما ومحبوها منذ زمن مبكر إلى أهمية “الحركة البطيئة” أو الـ”Slow motion”، لكنهم لم يدركو أهمية السينما البطيئة إلا في وقت متأخر بعض الشيء، وبالذات حينما انتبهوا إلى “اللقطات الطويلة ذات المضامين التقليلية التي تعتمد على الملاحظة الدقيقة، ولا تركز على السرد كثيرا، بل تحاول أن تتفاداه كلما كان ذلك ممكنا”.

ولأن السينما خطاب بصري فهي لا تحتاج إلى “الثرثرة الكلامية” حتى وإن جاءت بصيغ أدبية راقية، فالسينما بالنتيجة لغة بصرية لها خطابها الجمالي الخاص الذي يعتمد على الصورة ولا يراهن كثيرا على اللغة المنطوقة.

من هنا فإن تسمية السينما البطيئة بـ”السينما التأملية” هي تسمية دقيقة، وتوصيف يضرب في الصميم لأن مشاهد اللوحة أو المنحوتة أو اللقطة السينمائية، هو شخص يحتاج دائما إلى التأمل والتمثل والاستغراق في التفاصيل الصغيرة التي قد تمرّ مرور الكرام، إذا لم يُتح لنا فرصة تأملها، والإمساك بجمالياتها البصرية المتوارية. إن أبرز أعلام السينما البطيئة هم أندرية تاركوفسكي، بيلا تار، وثيو أنجيلوبولوس، ومايكل أنجلو أنطونيوني. ومن المفيد هنا أن نقتبس تعريف مجلة “سايت أند ساوند” للفن البطيء التي قالت بأن “طول اللقطة التي يدور حولها النقاش، هو مقياس مجرد إذا فصلناه عمّا يحدث داخلها”.

إن التأمل مطلوب جدا في اللقطة أو المشهد السينمائي، ولكن هناك القليل من الناس الذين يستطيعون متابعة فيلم “نوم” لأندي وارهول الذي يعتبر لقطة طويلة، يصوّر فيها المخرج صديقه الشاعر جون جورنو الذي كان غاطا في نوم ثقيل لمدة خمس ساعات وعشرين دقيقة!

وتمكن الإشارة في السياق ذاته إلى فيلم “إمباير” لوارهول أيضا الذي صوّر فيه مبنى إمباير ستيت، ناطحة السحاب الأميركية التي يبلغ ارتفاعها 441 مترا لمدة ثماني ساعات وخمس دقائق بتقنية التصوير البطيء، وربما يكون هذا الفيلم أقل وطأة من فيلم “نوم” لأن فيه أكثر من 102 طابق و74 مصعدا، بحيث يمكنه أن ينوّع في تفاصيل هذه البناية الضخمة، وما تنطوي عليه من مفاجآت عمرانية قد تكسر طابع الرتابة وتمزق بعض أجواء الملل.

ثمة مدن سريعة تظهر إلى الوجود في غفلة من الزمن بينما تختفي بالمقابل مواقع أثرية قديمة. ونظرا لهيمنة المدن الحديثة التي يغلب عليها البناء الكونكريتي الأصم فقد برزت الحاجة إلى ما يسمى بـ”المدن البطيئة” التي تريد أن تحافظ على تراثها العمراني، وتحمي بيئتها الطبيعية من تمدد المدن السريعة التي تكرس مفهوم التشابه والتماثل العمراني، بينما تسعى المدن البطيئة إلى الحفاظ على الهوية والأفكار.

ولعلي هنا أشير إلى أن العمران في المدن البطيئة يستغرق وقتا طويلا، لأن الهدف الأول منه هو خلق التحف العمرانية الجميلة. فكنيسة العائلة المقدسة في برشلونة المسماة بـ”ساغرادا فاميليا” قد شُرِع في بنائها منذ عام 1882 ولا تزال قيد الإنشاء ومن المحتمل أن توضع عليها اللمسات الأخيرة عام 2026.

وهي أنموذج مذهل للبناء البطيء، فالزائر الذي يلج فضاءاتها الداخلية يستمتع برؤية مئات التحف التي تصادفه في مجمل أروقة هذا البناء الباذخ، الذي صنعته مخيلة المعماري المبدع أنطوني غاودي ونفذته أنامل البنائين الذهبية.

16