الفن التاسع.. تأليف ورسم وتلوين في خدمة الرواية

الاثنين 2013/12/02
كتب الكوميك اجتاحت كل ثقافات العالم

باريس – من الأفلام التي تلقى الإقبال هذه الأيام "مخترق الثلج" للمخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو، وهو من جنس الخيال العلمي الاستباقي، تدور أحداثه سنة 2031 داخل قطار سريع لا يتوقف أبدا، يحمل على متنه ما تبقى من البشر على سطح الأرض بعد أن اكتسحتها الثلوج، عقب كارثة بيئية تسبب فيها علماء كانوا قد ابتكروا قبل ذلك بأعوام مادة لمقاومة الارتفاع الحراري في الجوّ. الطريف أن الفيلم مأخوذ من كتاب شريط مصور بالعنوان نفسه وضعه الفرنسيان جاك لوب وجان مارك روشيت عام 1982، مما يدل على مدى تطور هذا الفن منذ نشأته.

عشّاق الأشرطة المصورة يعتبرونها فنّا قائما بذاته، يطلقون عليه لقب "الفن التاسع"، بالرغم من عدم الإقرار بالتلفزيون فنّا ثامنا، واعتباره تابعا للسينما. ويزعمون بأن جذوره تعود إلى العصور القديمة، ويضربون أمثلة على ذلك برسوم المعابد الفرعونية، ودساتير الأدوية لدى شعوب المايا المعروفة، وأفاريز "البنتنون" بأثينا، ومسلّة تراجان بروما، والنقوش السفلى لمعبد أنكور بكمبوديا.. وكلها لوحات تقوم على تعاقب صور أو نقوش تروي حكايات.

روايات مرسومة

غير أن مؤرخي الفنون لا يجدون في البعد السردي لتلك الأعمال ما يفرد لها موقعا داخل الفنون البصرية. والأرجح في رأيهم أن البداية الفعلية كانت في أواخر القرن التاسع عشر، عام 1896 تحديدا، مع ظهور شريط "الطفل الأصفر" بـ"تروث مغازين"، وإن اختلفوا في تعريفه، فهو في نظر رودولف توبفر، مبتدع الأشرطة المصورة، أدب في شكل لوحات مرسومة، وفي نظر ويل إيزنر فن تعاقبي أو سرد مرئي، وقد استقر الرأي اليوم على أنه مجموعة من رسوم متعاقبة مشفوعة بنص سردي حواري في أغلبه، يخدم أحدهما الآخر، حيث لا يفهم النص إلا بالصورة، ولا تفهم الصورة بغير النص.

استند هذا الفن في بداياته إلى الصحف والمجلات، التي كانت تحتضن محاولات محدودة للوحات تروي طرفة أو حادثة مضحكة أو موقفا ساخرا من بعض مظاهر الحياة في ذلك الوقت. ولما استحسنها القراء صارت تجمع تلك اللوحات في كتيّبات دورية، قبل أن ترى النورَ دورُ نشر متخصصة في هذا الفن الجديد الذي وجد جمهوره في أوساط الناشئة، عملت على ترسيخه وتطويره، خصوصا وأن إنجازه لا يتطلب غير فنان واحد يتولى كتابة السيناريو والرسم، حينما كانت الكتب لا تستعمل الألوان، أو ثلاثة متخصصين في المجالات الثلاثة أي التأليف والرسم والتلوين، فظهرت ألبومات متنوعة تحوي أكثر من حكاية، وسلاسل تحوم حول بطل ما في حلقات متتابعة. ومع تزايد اهتمام شريحة معينة من القراء تستهويها قراءة الكتب المصورة، ظهرت روايات مرسومة في كتب مستقلة Graphicnovel.

برزت في هذا الفن ثلاث مدارس بتسميات مختلفة: "بي دي" B. D لدى المدرسة الأوروبية خصوصا في بلجيكا وفرنسا، و"كوميك" و"ستريب كوميك" في المدرسة الأميركية، و"مانغا" عند المدرسة الآسيوية وخصوصا اليابان.

انطلقت التجربة في أواخر القرن التاسع عشر كما أسلفنا من الولايات المتحدة في شكل لوحات محدودة، ثم تحولت إلى سلاسل ذات أبطال قارين ذوي سمات خاصة مثل بيتلبايلي، ودني الماكر، وباباي، ومندراك، قبل أن تحتفي بأبطال لا يقهرون مثل سبيدرمان وسوبرمان وباطمان.. وقد اجتاحت هذه الموجة أوروبا في أواسط العشرينات، فسارت على خطاها في الصحف والمجلات، قبل أن تنحرف عنها مع هرجي الذي كان له تأثير كبير على سائر التجارب الأوروبية بفضل مقاربته الجديدة في الرسم والسرد على حدّ سواء.

وبلغ هذا الفن أوجه في الستينات بظهور مجلة "سبيرو" التي استقطبت نخبة من كبار الرسامين والمؤلفين. مثلما اجتاحت اليابان منذ مطلع القرن العشرين حين قررت اليابان كسر عزلتها والأخذ بأسباب التقدم، وقد اقتدت هي أيضا بكتب "الكوميك" الأميركية خصوصا في سلسلة "نوراكورو" لسويهوطاغاوا التي لا تزال تصدر منذ الثلاثينات. ولم يتمرد الفنانون على الأشكال المستوردة إلا في الستينات حيث أطلق أوزاموتيزوكا أول "مانغا" تنهل من الواقع الياباني وتقاليده وأساطيره وتتحدى قوانين الحظر التي سلطت على البلاد عقب هزيمة الحرب العالمية الثانية، فظهرت أعمال تصور مغامرات مثيرة وصراعات مع كائنات الكواكب البعيدة مثل "غولدوراك" و"كوبرا" و"دراغن بولزاد".

فن ذو أفق واسع

يرى أنصار هذا الفن الذي انتشر في شتى بلدان العالم أنه، كالأدب الروائي، لا ينكب عن أي موضوع، ذو أفق واسع لا حدود له سوى الخيال، فهو يتناول الظرف والمغامرة والتأمل والعلاقات العاطفية والرياضة والاستكشافات الجغرافية والحياة في العصور القديمة ووقائع التاريخ وحماية البيئة والأبحاث البوليسية والرعب والخيال العلمي بكل مكوناته، بل إن بعض المؤلفين والرسامين يقومون بعمل توثيقي دقيق ليقدموا للقراء مشاهد ألصق بالواقع الذي يصورونه، من حيث الحقائق التاريخية فضلا عن الملابس والديكور وملامح الشخصيات والوسائل المستعملة في حضارات سادت ثم بادت. كما فعل البلجيكي هرجي الذي كان يزور المدن والقرى والمعالم والآثار في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لإنجاز سلسلة "تنتان"، أو الفرنسي جاك مارتن مؤلف "رحلات أليكس" في العالم الروماني القديم، و"جهان" في العصور الوسطى بأوروبا، و"أوزيريس" في مصر الفرعونية، فقد كان هو أيضا يرتاد المواقع الأثرية لتوخي الدقة والأمانة في الرسم والصياغة، وبلوغ مصداقية تاريخية تضاهي أكثر المؤلفات الجامعية رصانة.


أرباح طائلة

هذه الحرفية العالية والجرأة في تناول المواضيع بشكل جذاب حققت لمنشورات هذا الفن في فرنسا أرقاما مذهلة، فقد بيع العام الماضي من ألبوم "تيتوف" مثلا مليون وثمانمئة ألف نسخة في طبعته الأولى، وحققت كتب الأشرطة المصورة عام 2008 أرباحا قدّرت بنحو 320 مليون يورو أي ما يعادل 8 بالمئة من سوق الكتاب، بزيادة 10 بالمئة من حجم المبيعات في العام الذي سبقه، مما حدا بالساهرين على إبداعه ونشره وترويجه إلى إقامة مهرجانات سنوية أشهرها مهرجان مدينة أنغوليم، ودفع دور النشر الكبرى التي تُعنى عادة بالأدب والفكر مثل غاليمار وغراسيه وسوي ودونويلوآكت سود إلى الالتحاق بالدور المختصة في هذا المجال كدوبوي وغلينا ودارغو، وخصوصا بيلوت التي أعطت فرنسا بطلا قوميا هو "أستيريكس" تداول على صياغة مغامراته العديدة أشهر الرسامين من غوتليبودروييه إلى كابووتاردي وبلال، وشكل بداية توجّه هذا الفن نحو الكبار.

وأمام ازدهار هذا الفن، تلقفه التلفزيون في شكل رسوم متحركة ثم أقبلت السينما تغرف من مادته الجاهزة لتعيد صياغتها بأساليب فريدة، مستغلة أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا من خدع فنية، كما هو الشأن مع "مخترق الثلج".

16