الفن التشاركي يُشوّه لوحة لجون وان بنصف مليون دولار!

حادثة سيول أثارت قضية الفن المعاصر، هل هو فن أم مجرد خربشة وتلطيخ في متناول الجميع، حتى الأطفال؟
الاثنين 2021/04/19
لوحة ثمينة تتعرّض لتلطيخ غير مقصود

هل كان الأميركي جون وان يتصوّر أن يجيء يوم يلطخ مجهولون لوحاته، كما كان هو يلطخ أنفاق المترو في نيويورك أو جدران حيّه في هارليم؟ على أي حال ذلك ما حصل للوحته المعروضة في معرض بسيول عاصمة كوريا الجنوبية مؤخرا.

من غرائب الأخبار التي تناقلتها وكالات الأنباء إقدام شاب كوري جنوبي وصديقته على تلطيخ لوحة للفنان الأميركي جون وان، على سبيل الخطأ، ظنّا منهما أنه عمل تشاركي يمكن لكل زائر أن يضع عليه لمسته، لاسيما أن جون وان وضع أسفل لوحته “بلا عنوان” فُرَشه وعلبَ أصباغه، على طريقة مَثلِه الأعلى جاكسون بولوك.

ويعود قرار وضع معدات الأداء أمام اللوحة إلى عام 2016 عندما أنجز لوحته هذه في مركز سيول للفنون. ثم عُرضت الملحقات التي استخدمها الفنان هناك بنفس الطريقة المعروضة في المعرض الحالي. يقول كانغ ووك مفوّض المعرض “إن الطلاء والفرش التي استخدمها الفنان يكملان عمل الغرافيتي”، ويصرّ على أن الدعائم جزء لا يتجزأ من المعرض.

هي لوحة تجريدية ضخمة طولها سبعة أمتار وعرضها متران، ولذلك كانت اللوحة الوحيدة التي لم يقع تأطيرها من بين المعروضات الأخرى داخل رواق لوت وورد مول في سيول، وقد جعل وان أسفلها عند كل عرضٍ الأدوات التي استُخدمت في إنجازها، لتكون مكمّلة للعمل الفني، ما أغرى الزائر وصديقته باستخدامها هما أيضا دون نية تشويهها، خصوصا أنها تقدّر بنصف مليون دولار. ولولا كاميرات المراقبة لما تفطّن لهما أحد.

وعندما علم وان بالخبر، غضب واعتبر ما جرى فضيحة، ولكنه لم يفكّر في ملاحقة الشابين، لأنهما اعترفا أمام الشرطة أن نيتهما لم تكن إجرامية، بيد أنهما سوف يضطران إلى تحمل نصيب من تكاليف الترميم والصيانة، بينما قرّر المنظمون وضع لافتة على كل الأعمال الفنية، حتى المؤطرة منها، ترجو من الزوار “عدم اللّمس” تجنبا لأحداث مماثلة. المفارقة أن الزوار ازداد إقبالهم على اللوحة منذ أن شاع خبر تلطيخها، وكأنهم تجاهلوها سليمة وراموا رؤيتها ملطخة.

هذه الحادثة سلطت الضوء على جون وان، واسمه الحقيقي جون أندريو بيريلّو، ولد في نيويورك عام 1963 من أسرة دومينيكية، وهو فنان عصامي لم يتلق أي تكوين فني. بدأ يخط رسوم غرافيتي على قطارات الأنفاق في نيويورك، وكان المترو متحفا يعبر المدينة، على حدّ قوله، ولم يكن يتخيل أنه سيعبّر عن نفسه يوما على الويب.

زوار المعرض ازداد إقبالهم على اللوحة منذ أن شاع خبر تلطيخها، وكأنهم تجاهلوها سليمة وراموا رؤيتها ملطخة

ويعترف بأن دافعه التقليد، عندما رأى شبانا مثله يرسمون على الجدران في جميع أنحاء المدينة. البداية الفعلية كانت عند لقائه بالفنان آ وان (أنتوني كلارك 1964 – 2001)، وكان يخالط جان ميشيل باسكيات (1960 – 1988)، فكان همزة الوصل بين الشارع وعالم الفن. سافر إلى أوروبا وعاد ومعه مال كثير كسبه من فنه، فأغرى نجاحه وان، الذي لم يكن يغادر حيّ هارليم.

وبفضله بدأ يرتاد المعارض لتغذية رؤيته بما كان يحدث في عالم الفن، فصار يأخذ عمله على محمل الجد، ولم يعد يرى فيه تشويها لمعالم المدينة بل فنا. فأسّس مجموعة “156 أول ستارز” عام 1984، ثم تعرّف على فنانين آخرين مثل باندو، وروكين سكوات الذي سهل له السفر إلى باريس عام 1987 حيث بدأ يرسم رفقته ورفقة فنانين آخرين أمثال بوكسر، وبي.بي.سي كريو، وآ وان، وشارب، وفيكتور أش، وجي وان، وسكي، وبذلك فرض اسمه في الوسط الفني، فساهم في معارض كثيرة، وأنجز رسومات للخط الحديدي “تاليس” الذي يربط باريس بأمستردام مرورا ببروكسل، قبل أن ينظم معارض خاصة في باريس وموناكو وبرلين وجنيف وطوكيو ونيويورك.

وكان في الأثناء قد بدأ يرسم على القماشة، لينجز لوحات تجريدية وبورتريهات أهمها بورتريه “الأب بيير” في باريس. ومنذ 2017 نقل ورشته إلى مدينة روبي شمالي فرنسا، ليواصل إنجاز لوحاته التجريدية وتعامله مع عدّة مؤسسات تجارية مثل غيرلان وبيريي وصندوق الادّخار.

كما أثارت حادثة سيول قضية الفن المعاصر، هل هو فنّ، أم مجرد خربشة وتلطيخ في متناول الجميع، حتى الأطفال؟ وهو تساؤل رافق الفن المعاصر منذ ظهوره في الستينات، لاسيما أنه قام على رفض الجمالية والأصالة، واختار أن يكون بروتوكولا فكريا. كما قام على فكرة إنشاء وسط مضيّق يجمع الفنانين بأصحاب الأروقة، والاحتفاء بمن خصّه متحف الفن الحديث بنيويورك بمعرض، عن طريق عرض الأعمال نفسها بالتناوب من رواق إلى رواق، لضمان الحضور والشهرة وزيادة الأثمان.

وتقول الناقدة أود دو كيرّوس في كتابها “زيف الفن المعاصر”، “في الفن المعاصر، عندما يدخل فنان ما إحدى الشبكات، يفقد حريته، لأن القائمين على السوق يفرضون عليه حجم العمل، والأسلوب، وخاصة الأجندة، فهو مطالب بإنجاز سلاسل محددة، في وقت مضبوط”.

وأيا ما تكن الاعتبارات التجارية، فإن الفن المعاصر يحوي الشيء ونقيضه، فلئن كانت بعض التجارب تستحق صفة الفن، فإن تجارب أخرى لا يراد منها غير إحداث الصدمة، تعبيرا عن رغبة في الاختلاف ينعدم فيها أي حسّ جمالي.

16