الفن التشكيلي الإماراتي يشبه مجتمعه.. تراثا ومعاصرة

الأربعاء 2014/01/08
الفن التشكيلي الإماراتي: توليفة فنون حداثية وتراثية

أبوظبي - يستقي الفن التشكيلي في الإمارات العربية المتحدة، مواضيعه من الثقافة العامة التي تسودها، فتراه يشبهها في ملامحه، متنوّعا بتنوعها ومتطوّرا بتطوّرها؛ ويكاد يكون أكثر الفنون استفادة من الانفتاح الذي تعيشه الدولة، ممّا أدّى إلى وجود أنواع جديدة منه تحمل صفات العصر الحالي بأشكاله الاجتماعية والفنية والتكنولوجية، وخلق معايير جديدة للفنان في تمييزه عن غيره من الناس.

اتخذت الحكومة الإماراتية الدور المساعد والمساند للتشكيليين من أبنائها، فأنشأت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عام 1980 في الشارقة، بعد أن لاحظت وجود توجه كبير نحو الرسم الكلاسيكي التسجيلي، والذي تطوّر لاحقا حتى بات أكثر فهما وتشريحا للواقع، بالترافق مع دراسة الفنون التشكيلية كعلم أكاديمي والتوسع في مجالاته، في الفترة التي تبعت قيام الدولة الاتحادية. ومن أهداف الجمعية الاهتمام بالفن التشكيلي الإماراتي، رعاية المواهب الشابة وصقلها في الدورات التدريبية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي والإعلامي للفنانين الإماراتيين وتمثيلهم في المحافل الرسمية والدولية ذات الاختصاص نفسه، إلى جانب الدفاع عن حقوقهم كاملة.

فن معاصر

شكل “فن أبوظبي” ملتقى ثقافيا جمع أبرز روّاد الفن المعاصر وأصحاب صالات العرض العالمية، ومقتني الأعمال الفنية على أرض العاصمة الإماراتية التي أصبحت بدورها منصة بارزة على الخارطة الثقافية والفنية والعالم، وخاصة بما تقدمه وستقدمه المنطقة الثقافية في السعديات ضمن مجال الفنون التشكيلية بكل تنوعاتها ومدارسها الحديثة والمعاصرة.

تأثر الفن التشكيلي الإماراتي، بحركة هذا الفن في العالم، فاتخذ معظم فناني الإمارات اليوم الطابع الحداثي الثائر على المتعارف عليه سابقا، بينما ظل بعضهم ضمن الإطار التقليدي ذاته مكتفيا بالريشة والألوان والقماش الخام من أجل رسم لوحة في منتهى الواقعية والوضوح والجمالية أحيانا.

قديما، أوحت البيئة الجغرافية للإمارات، لفنانين كثر من مواطنيها، برسمها وتصويرها على لوحات كان من أبرز عناصرها، الصحراء، البدوي، الصيد على الساحل، الخيول، الهجن، القهوة المرة، النخيل والبيوت الإماراتية العتيقة. حيث استجاب الفنان إلى سحر الشكل واللون الموجود في كل تلك العناصر، إلى جانب ما تحتويه من أفكار ومواضيع تشرح نمط الحياة المعيشية السابقة، وكيف كان ابن البلد يطوّع ظروفه من أجل تحسين واقعه. بالإضافة إلى تجسيد التراث كأدوات وبيئة مرئية، هناك من رسّخ أعماله لتصوير الشخصيات الهامة في الدولة، حيث ينتشر رسم الشيوخ ذوي الأسماء البارزة والهامّة التي كان لها صدى واسع في بناء الدولة، من العهد القديم وحتى اللحظة. وهنا لا بدّ أن نذكر أعمال الفنان اليمني الأصل عبد القادر السعدي، التي لا يمكنك تمييزها عن الصور الفوتوغرافية لشدّة اعتنائه بتفاصيل الوجوه والحركات، وبتفاصيل المكان الموجودة فيه.

تطور الجرافيك


تأثر الفن التشكيلي بالحركة التكنولوجية المتطورة التي سادت الإمارات، مما أدّى إلى تطوره مستفيدا من الحداثة التقنية المستخدمة في صياغة أشكال جديدة منه. إذ يعتبر فن الجرافيك من أكثر الفنون التشكيلية نموا وانتشارا في الدولة، ليس من قبل الإماراتيين فحسب، بل ومن قبل فنانين عالميين مقيمين على أراضيها. ومع وجود أجهزة الهواتف الذكية والتي تحتمل تنزيل برامج التصميم عليها، صار من السهل التنفيذ والابتكار أينما كان. مع النمط الحداثي السائد اليوم في الوسط التشكيلي الإماراتي، يوجد العديد من الفنانين الذين لا زالوا يصورون نزعاتهم نحو المدارس الفنية التي بدأت بالظهور في أواسط القرن الماضي، حيث ظهر تغيير جذري بالتعامل مع هذا الفن وأصبحت أعمال بعض الفنانين ذات النزعة الغربية أو الحديثة، تلقى رواجا في المجتمع بأفراده ومؤسساته.

تأثر الفن التشكيلي بالحركة التكنولوجية المتطورة التي سادت الإمارات، مما أدى إلى تطوره

بشكل عام أسهمت وسائل الاتصال بالانفتاح على الفنون العالمية وخلق عوالم تواصل بينها، وقد برزت جلية في عدة معارض داخل وخارج الإمارات. منها معرض تعابير إماراتية الذي افتتح في أكتوبر من السنة المنقضية ويستمر حتى 18 يناير الجاري. قدّم من خلاله ستة فنانين آخر إبداعاتهم في الساحة الفنية، كمثال نذكر ما قامت به التشكيلية ليلى جمعة التي ذهبت إلى تجسيد علاقتنا مع الطبيعة من خلال عملها “توائم” الذي يتكوّن من عدة دوائر معدنية متداخلة ومتقاطعة فيما بينها. حاول التشكيلي محمد كاظم دمج التكنولوجيا بالعناصر الطبيعية في محاولة لتجاوز الحدود الاجتماعية والفنية في الداخل والخارج، ضمن عمل قائم على الإحداثيات الجغرافية وسط البحر. وبالاستناد إلى وسائل تكنولوجية متطورة لها علاقة بالتصميم.

اليوم، ومع المزيج الثقافي والإنساني الموجود على أرض الإمارات، لا يمكننا أن نؤطر الفن التشكيلي القائم على أراضيها بصبغة واحدة محددة. فإلى جانب الأشكال المعاصرة والحداثية التي باتت تصنعها أياد إماراتية، يوجد من يسعى إلى تكريس الفن من أجل المحافظة على التراث الشعبي للهوية الأصيلة. وبين النمطين ثمة تدرجات وتنوعات كثيرة لا يمكننا حصرها، تتبع مزاج كل فنان وأسلوب عمله.

16