الفن التشكيلي التركي المعاصر يحاور الشرق والغرب

الجمعة 2013/12/06
لوحة "الجامع القديم" لأحمد إلهان

أبوظبي - بين الشرق والغرب، ثمة فنون تشكيلية تصل الجهتين بعضهما ببعض، تخلق لغة مختلفة تجسّد واقع منطقة هجينة الثقافات إلا أنها جديدة بكل معطياتها وتعاصر حداثة العالم الآن وهنا. وتركيا من الدول التي تفرز هذا النوع الهجين من الفن وهي الدولة الواقعة بين حضارتين مختلفتين يصوّر أبعادهما فنانون ينتمون إليها ويعايشون تفاصيل الواقع فيها.

يتميز الفن التشكيلي التركي المعاصر بأنه يشبه بلده الملونة في طريقة عيشها بألوان أوروبية وأخرى شرقية، حيث أنه وإذ يتجاوز كل الكلاسيكيات القديمة في المدارس الفنية يرنو إلى منهج حداثي معاصر لا يمكنه القفز فوق التفاصيل البسيطة المبعثرة هنا وهناك في الشوارع والبيوت التركية، على العكس تماما فقد قرّر بعض الفنانين التشكيليين الأتراك أن يجدوا إجابات ما يبحثون عنها انطلاقا من أسئلة حول ماهية الفن المعاصر في تلك التفاصيل.


تقاليد إسلامية


من بين التفاصيل السابقة يختار الفنان التشكيلي فرات نيزيروجلو الذي ولد في إزمير التركية ويقيم ويعمل فيها، أسلوب الحياكة القديمة التي كانت أيام العثمانيين حتى القرن الثامن عشر، ليبرز من خلالها إبداعه الفني الحديث. فيؤكّد بهذا ارتباط القماش بالرسم حتى في الزمن المعاصر، مقدما تجليات العلاقة الأزلية بين القطعة الفنية وما هو سائد من ثقافة معيشة في المكان الذي يعيش فيه؛لنجد أنفسنا أمام فن من نوع جديد لا يعلو فوق الواقع إنما يستوحي مواده وأفكاره منه.

أيضا يمكن لعمل "المكسور" للفنانة التشكيلية التركية بوراك بينجول المولودة في أنقرة عام 1967، أن يبرز ما نقوله من كلام حول تأثر الفنانين الأتراك بالحضارة التي يرونها في بلادهم. فبينجول المعروفة بين الأوساط الفنية بتأثرها بالتقاليد الإسلامية، استطاعت في عملها "المكسور" أن تجمع عددا من القطع الفخارية المكسورة والملونة ضمن لوحة واحدة، حيث قامت بلصق جميع القطع لإنتاج عمل طبيعي ينهض من وسط ما هو سائد ومألوف ويستخدم أدواته من مواد في متناول الأيدي، وربما يجدها غيرها غير صالحة للاستعمال. وهنا يكمن السر في اختلاف نظرة الفنان للأشياء عن غيره من الناس العاديين..

كذلك فإن أحمد إلهان المولود عام 1959 في إزمير، يبحث في التراث الإسلامي لبلده تركيا ويصوره صورا ضوئية من رموزه، عارضا إياها في معارض جماعية وفردية في عواصم الفن لبلدان كثيرة.

وتعود أسباب شهرته الواسعة التي بات يمتلكها محليا وعالميا، إلى تمكنه من تصوير الموضوع ذاته من عدة زوايا وتكون النتيجة طريقة متكاملة وغير متوقعة تكتشفها عين المتلقي. وفي لوحته "الجامع القديم" التي تتوسطها كلمة "الله" وقد عرضها في أبوظبي مؤخرا، ثمة طريقة مختلفة لوضع أجزاء الصورة مشكلة لقطة واحدة هي في الحقيقة تمتلك أكثر من مجال للنظر وأكثر من تفسير.

وتعتبر جولين حياة توبديمير، أكثر الفنانين الأتراك شعبية، وتعلقا في أعمالها بدورة الحياة الطبيعية التي لا يمكن أن يكتشفها إلا من نذر نفسه لكشفها. ويمكن أن نرى في فنها مظاهر الطبيعة البشرية بتناقضاتها، بقسوتها وطيبتها، بفرحها وحزنها، إلى جانب المزج بين القوة والجمال والرعب واللطف ومشاعر أخرى كثيرة.

وأما الممثل الوحيد لكل تلك الملامح فهو جولين نفسها التي وجدت طريقا للتعبير عن مواضيعها وأفكارها عبر رسم لوحات وعرضها أمام الجمهور في كل مكان تقيم فيه معرضا، كان آخرها معرض "الصندوق الأسود" في إسطنبول ومشاركتها في فن أبوظبي 2013 عندما عرضت لوحتها "معضلة 1" في جناح جاليري "زيبرمان".


انشغالات سورية


الفنانون الأتراك وبحكم الطبيعة الجغرافية والتاريخية التي تربط تركيا بسوريا، كان لا بد وأن تتأثر إنتاجاتهم الفنية بما يحدث على الأراضي السورية القريبة بحدودها من مكان إقامتهم في المدن التركية.

فقد حاكت الفنانة التركية آزاد كوكر الثورة السورية في مجموعة من لوحات اجتمعت لتؤلف لوحة واحدة اسمها "حلب 2013"، استوحت مناظرها من مدينة حلب، مسلطة الضوء على واقع المدينة اليوم، بعد أن أنهكتها الحرب، وعلى ماضيها، حيث كانت مدينة تضمّ تعدادا سكانيا كثيفا ومميزا، يتعايش على أرضها المسلم مع المسيحي، والعربي مع الكردي والتركي والآشوري والأرمني.

وقد اتبعت آزاد في صياغتها لهذا العمل الفني طريقة لا تخلو من اللصق والرسم من أجل إبداع ما يحيل إلى الواقعية دون أن يلتصق بها.

يمكننا القول أن تركيا أفرزت في الآونة الأخيرة نمطا فنيا محليا لمواجهة العالمية من جهة ولموازاتها من جهة أخرى. وكانت النتيجة أعمالا فنية تحمل روح المكان والتاريخ وتحاكي مواضيع وأفكار فنانين يرغبون بتجاوز الواقع أو بمحاورته، وكل بطريقته. فاللوحة بمفهومها الكلاسيكي المتعارف عليه، أي الألوان على القماش، لم تعد هي التعبير الصحيح لديهم، فهم الذين يمكنهم تحويل أي مادة، أو أي غرض إلى موضوع وأفكار بقيمة فنية عالية المستوى.

16