الفن التشكيلي.. نبض الشارع العربي في 2013

الخميس 2013/12/26
جرافيتي مصري يؤرخ للثورة ولو إلى حين

عند الحديث عن الفن التشكيلي في الوطن العربي على مدار العام المنصرم، فلا بدّ أن تحضر في الذهن الثورات والانتفاضات والأزمات التي اندلعت في بلدان عربية عدّة منذ أواخر عام 2011 وحتى اللحظة، وقد تورّط الفن التشكيلي في تلك الانتفاضات محاولا رصدها والتعبير عنها وتوثيق وتشريح اللحظة الثورية التاريخية، ونحن إذ نقول تورّط فهو تورّط بالمعنى الإيجابي الجميل، فالعديد من كبار الفنانين العرب وجدوا أنفسهم يعيدون رسم ملامح الشارع الثائر تشكيليا.


تشريح اللحظات التاريخية


في هذا الصدد كان لي شرف الكتابة عن مجموعتيْن للفنان المصري محمد أبو النجا، أولاهما مجموعة “وجوه الثورة” وهي بورتريهات استلهمها أبو النجا من أحداث ثورة 25 يناير، وتحديدا من الأحداث التي شهدها شارع محمد محمود القريب من ميدان التحرير، والتي نتجت عنها إصابات كثيرة في العيون أدّت إلى أن يفقد العديد من الشباب الثائر بصرهم. أما المجموعة الثانية فهي التي عرضها في الدوحة أواخر عام 2012 ضمن معرضه “القاهرة 11″، والتي حشد فيها رموزا من القاموس الثقافي المصري واستخدم فيها تقنيات علب الرّش “الإستنسل ـ القوالب المفرغة” المعروفة للاستخدام عند الكتابة والرسم على الجدران في الثورة، وفي ذلك تفاعل واضح من الفنان ليس مع موضوع الثورة فحسب، بل مع أدواتها وتقنياتها.

والحديث عن أدوات الثورة، بالعلاقة مع المرئي والتشكيلي والبصري، يتطلب الحديث عن الجرافيتي كفن شعبي ثوري قمعته الأنظمة العربية لعقود، ولكنه تفجر بوضوح على الجدران في شوارع المدن العربية التي شهدت ثورات وانتفاضات، وساهم في خلق ثقافة بصرية جديدة في الشارع العربي. وكان لي شرف إعداد دراسة شاملة عن “جرافيتي الثورة المصرية” التي صدرت في كتاب أوائل عام 2013 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو رسم جرافيتي نشأ في مصر بعد ثورة 25 يناير.

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن هذا النوع من الفنون يفتقد إلى الاهتمام البحثي والتوثيقي، فهو فن يعبر عن مراحل تاريخية من حياة الشعوب العربية، وعن نبض الشارع العربي، ويشكل إعلاما موازيا، بل وبديلا عن الإعلام الرسمي في أغلب الأحيان، وتتمّ إزالته بسرعة كبيرة.

وعدد الفنانين الذين انخرطوا في العمل الثوري تشكيليا ليس بالقليل، ولا مجال لذكر كل أسمائهم هنا، لكن على سبيل الحصر نذكر رسام الكاريكاتور السوري علي فرازات وقد أدّت رسوماته، التي انتقدت النظام السوري وممارساته خلال العامين المنصرمين، إلى اعتقاله وضربه وتكسير أصابعه.

أخيرا، كوني فلسطينية أقيم في فلسطين، وباحثة متخصصة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، فإنه وبنظرة سريعة إلى الموجود الغني، من دور العرض والمؤسسات الثقافية في فلسطين وإصدار العديد من الكتالوجات والأبحاث، إلا أنه ليس كافيا مقابل هذا الزخم في الإنتاج التشكيلي الفلسطيني، الذي يطرح الهويات الفردية والجمعية والثقافية والوطنية والصراع والقضية الفلسطينية للأسئلة وللتشريح التشكيلي.

فما زال هذا الفن على بعد مسافة ليست بالقصيرة عن الجمهور، وهي مسؤولية تقع ليس على عاتق الجمهور، ولا على عاتق الفنان فحسب، بل على عاتق المؤسسات التي تعنى بالفن التشكيلي. وبرأينا فإن أحد أهمّ أدوار تلك المراكز والمؤسسات هو تقريب المسافة بين الجمهور والفن، لخلق مساحة من التفاعل الضرورية للتراكم المعرفي والثقافي والوطني.


* مليحة مسلماني

كاتبة وباحثة من فلسطين

"وجوه الثورة".. بورتريهات أبو النجا



لسان حال الواقع


يمكنني الحديث هنا عن أبرز المعارض التشكيليّة التي شاركت فيها هذا العام؛ أولها، معرض جماعي في المتحف الوطني السلوفاكي في مدينة براتيسلافا رفقة فنانين تشكيليين زملاء من الداخل الفلسطيني، هم جمال حسن، هاني خطيب وفارس حمدان. مشاركتنا هدفت إلى تمثيل مجتمعنا الفلسطيني في الفن التشكيلي والتراثي. وقد استمر المعرض مدّة ثلاثة أشهر، ولقي إقبالا وإعجابا كبيرين من رواد المعرض والفنانين من البلد المستضيف. وتجدر الإشارة إلى أنني عرضت هناك تسع لوحات زيتية تعتمد أسلوب الرمزي السريالي والواقعي.

ثانيها: مهرجان إستراكا الدولي للفنون التشكيلية، وهو يقام سنويا في مدينة شرم الشيخ المصرية. وقد شارك فيه ثلة من الفنانين من كل دول العالم. وقد شاركت في هذا الحدث المهم من خلال مجال النحت على الحجر، إذ قمت بعمل منحوتة رمزية عن الأمل والحرية بارتفاع 220 صم.

هذا ودون أدنى شك نلاحظ أن الفن التشكيلي العربي قد نجح في استقطاب جمهور جديد في ظل الأحداث السياسية الجارية، لأن الفن التشكيلي عموما هو مرآة تعكس الواقع الذي نعيشه ونعايشه. وكل فنان يعبر عن رؤيته وموقفه عبر عمله الفني وبأسلوبه الخاص. وقد لمسنا في الآونة الأخيرة أن معظم الأعمال الفنية عكست وترجمت بشكل جلي وواضح ما يجري في العالم عامة والعالم العربي بخاصة. وحسب رأيي فإن هذه الأعمال وصلت قلوب المشاهدين وأثرت فيهم.


* حكمت خريس

فنان تشكيلي من فلسطين



خروج من دائرة الصمت


الحديث عن الفن التشكيلي لا يمكن الإجابة عنه بإجابات مختصرة وجدّ مقتضبة من خلال بعض الأسئلة التي تُطرح هنا أو هناك، إنه موضوع كبير، شيّق، وجذاب؛ للتطرق إليه يجب الإحاطة بكل عوالم الثقافة والنهل منها لنجعله عالما قائما بذاته؛ التشكيل هو عصارة فكر وروح، إنه ملخص تجربة، حنكة، فطنة، ذكاء وموهبة ربانية.. هو تعبير جذري وشامل بالريشة والألوان مما يتطلب جهدا أكبر. كل هذا يضع الفنان أمام التزام دائم بالعمل الدؤوب من خلال البحث والتنقيب عن كل ما هو جيد.

أقول دائما إن اللوحة بمثابة كتاب مفتوح أمام المتلقي؛ إنها ترجمة حقيقية للواقع الاجتماعي والظرف السياسي، اللوحة بكل ما تحمله من خطوط ورموز وألوان خير تعبير عن القيم والمبادئ، والموروثات الثقافية التي تزخر بها المجتمعات، فالفنان هو من يبحث عن مواطن الجمال في هذا الكون الرحب والشاسع ليبرزه بشكل بديع ممّا ينمي الذوق البشري. ويجعله يحلق معه في سماء الرقي والسمو، وهنا تظهر جليا أهمية هذا الفن في تطور الإبداع عامة والسير به قدما نحو الأعالي ليساير ركب التقدم السريع الذي يشهده العالم في جميع المجالات، فنحن حين نخاطب الروح لدى الإنسان فإننا نحرك فيه تلك الهبة الوجدانية، والمشاعر النبيلة، والأحاسيس السامية، فنجعله يتصالح مع ذاته ويُخلق لديه وبصورة تلقائية التوازن بين العقل والروح.

يعرف الفن التشكيلي حاليا تطورا ملحوظا وذلك راجع إلى وتيرة التغيير التي تشهدها أمتنا، كالربيع العربي مثلا، فأضحى الإنسان العربي يعبر بالريشة عما يدور في خلده ويجول في خاطره، ليخرج من دائرة الصمت التي كانت تحيط به.. ذاك الصمت الرهيب الذي أناخ بكلكله على مستواه الإبداعي فقيّد لسانه وجوارحه مدة من الزمن؛ فهو قبل كل شيء فنان بالفطرة، لذلك فالأحداث لها دور كبير في إبراز مكامن الإبداع لدى الإنسان حينما يتفاعل معها فتصبح جزءا من حياته اليومية، حينما يكون المبدع صادقا مع نفسه ومع الآخر، يشرق في قلبه نور ينفذ من خلاله إلى أفئدة الناس بكل عذوبة وجمال. والإبداع في حدّ ذاته هو حالة صدق ونزاهة، شفافية وابتعاد عن الأنا. إلا أننا أمام هذا الزخم الهائل من المعارض والمهرجانات التي تقام في كل أرجاء البلاد العربية، يجب في هذا الخضم وضع نقطة نظام، والبحث عن قراءات نقدية تحليلية تناقش وتحلل الأعمال الفنية المعروضة، وذلك من خلال تقييمها، فتسهل على المتلقي الولوج إلى فضاء اللوحة، وتمنحه تلك الرؤية العميقة التي تواكب العصر، وبذلك تصبح لدى الكل ثقافة فنية شاملة.


* ليلى الديوري

فنانة تشكيلية من المغرب

16