الفن التشكيلي والإيقاع

إن أقدم إشارة إلى عامل الإيقاع ضمن عوامل أخرى تدخل في تحديد مقومات الفن الجيّد، هي التي جاءت في جمهورية أفلاطون.
السبت 2018/05/05
لوحة للراحل نجيب يونس

حين تناولت موضوع الإيقاع من قبل، وانتهيت إلى سؤال يتعلق بإيقاعات الفنون المرئية والتشكيلية، وذكرت مقولة ليوناردو دافنشي، بأن صور الطبيعة إيقاعية متموجة، وأنها من قبيل أنموذج الموجة في صعودها وهبوطها، قلت إنني سأتناول الإيقاع في الفن التشكيلي، وهو تناول يعتمد على إحساسات تشكيليين كبار، أو هي أفكارهم وقناعاتهم، أو حتى حين تكون مجرد تخيلات.

إن أقدم إشارة إلى عامل الإيقاع ضمن عوامل أخرى تدخل في تحديد مقومات الفن الجيّد، هي التي جاءت في جمهورية أفلاطون، حيث يشير إلى فن النقش وكل الفنون التي تحاكيه، حيث يرى أن فقدان عدد من العوامل من بينها الإيقاع، سمة الأسلوب الفاسد والخلق الرديء.

أما بول غوغان، هذا الرسام الذي انتزع من بكورة الحياة في جزيرة تاهيتي ومن ألوانها البدائية الحارة ومن أجساد نسائها، جمالا خاصا وجديدا، لا عهد للرسم به من قبل، وإذ كان يهرب من وحشة المدن إلى وحشية اللون، فإنه كان يبحث عن الإيقاع في اللون، حيث يقول “حين يرن حذائي الخشبي على حجر الصوان، أسمع النغمة المكبوتة البليدة القوية التي أسعى إلى تحقيقها في الرسم”.

قبل ذلك كان الرسام الغريكو، الذي يعده بعض مؤرخي الرسم، أول متمرد على ثوابت الرسم الكلاسيكية، بالسير إلى آفاق التجديد والتمرد والإضافة، حيث قال “حين كنت أحرك الفرشاة، فإن تلك الحركة، استجابة لكلمات كنت أسمعها من اللون”.

وفي حوار لي مع الرسام العراقي الراحل، نجيب يونس، سنة 1992 في مرسمه بمدينة الموصل، وفي معرض إجابته عن سؤالي بشأن جرأته في استعمال الألوان الحادة الفاقعة، حيث الأصفر والبرتقالي والرماني وغيرها، قال “أنا لا أبحث عنها، وفي اللحظة التي أقرب فيها الفرشاة من لوحة الألوان، أحس بالألوان في حالة هيجان وتتسابق للوصول إلى الفرشاة، بل إلى اللوحة التي أكون قد بدأت برسمها أو بالتفكير في رسمها، واللون الذي يسبق هو الذي يدخل اللوحة ويختار مكانه فيها، بل ويفرض عليَّ المساحة التي يحتلها في اللوحة”.

وقال لي مرة وهو يشير إلى لوحته التي رسم فيها قرويين يؤدون إحدى الرقصات في مناسبة اجتماعية، ألا تسمع نقرات الطبل؟ وقبل أن أجيب عن سؤاله، أكمل قائلا: أنا أسمعها.

وقال لي يوما الروائي عبدالرحمن مجيد الربيعي، وهو رسام أيضا “حين أرسم يرافقني ما يشبه الدوي البعيد والخافت، ويعيدني إلى إيقاعات الدرابك، وقدرة الأصابع المذهلة على إحداث تلك الإيقاعات”.

في مقالة تأسيسية، في تاريخ النقد التشكيلي العربي، كتبها جبرا إبراهيم جبرا، قبل ما يزيد على نصف قرن، وجبرا كما نعرف، كان رساما أيضا، ومما يلفت النظر في هذه المقالة، وفي معرض حديثه عن الرسم والرسامين، استعماله الكثير من المفردات التي تتعلق بالحركة، فحين يتحدث عن محمود صبري، يقول “فقد تحول الإحساس الممض بالعمل الشاق، إلى ما يشبه نشوة الرقص”، وقال عن نجيب يونس “في لوحاته تصبح الطبيعة أرضية لحركة إنسانية فوّارة، وأحيانا موارة بالحركة”. أما خالد الرحال فـ”يملأ صوره الكبيرة بنغمة من الفرح الطاغي”.

وإذا كان الإيقاع هو النبض، فإن الأعمال التشكيلية العظيمة تنبض بالحياة دائما، ولذلك فإن هجوم مايكل أنجلو على تمثال موسى، بعد أن انتهى منه، وهو يصرخ: تكلّم.. تكلّم، ناتج عن إحساسه بالحياة فيه، وليس عن كماله الشكلي فقط، وإن العلاقة الملتبسة التي نشأت بين النحات الإغريقي ومنحوتته ذات الجمال الأسطوري، أفروديت، هي من قبيل العشق أو العبادة، وأدت به إلى ما يشبه الجنون، فذلك لأنه أحس بالحياة فيها، ولكن في الحالتين، في حالة تمثال موسى وحالة تمثال أفروديت، يحس النحات بأن الحياة التي أنتجها، تتمرد عليه، وهذا الإحساس مصدره الإيقاع والحركة.

14