الفن الثوري لم يعد حكرا على المحترفين فقط

التجهيز الفني بات ثروة لبنان الجديدة، وهو الذي اكتسح الساحات عبر اللوحات ورسومات الغرافيتي المحتفية بالثورة.
الجمعة 2020/01/10
فن عابر للساحات

يشكّل لبنان، وبعد مرور ثلاثة أشهر على انطلاق ثورة استثنائية -لا تزال تتخبّط في تعريف ذاتها- مثالا بصريا جما عن وطن يعيد بأسره بناء صورته في ساحات هي الأخرى على شاكلته، استثنائية وفجّة.

استثنائية هذه الساحات نابعة من كونها مرايا إسفلتية/ أفقية/ غير تقليدية تعكس حيرة وقلق شعب لبنان الوجودي في أن يصنع منها مرتعا لسعادة بسيطة وتلقائية، أو أن يطمس في ملامحها المُشرّعة على المنزلقات خوفا من انهيار حلم سكنه طويلا، وهو الحلم بالوحدة الوطنية ضد الفساد وضد مارد الطائفية المُتربّص بها، والذي يُسيّره زعماء أمعنوا في تمزيق أي مشروع لولادة لبنان جديد حتى لحظة اندلاع الشرارة الأولى للثورة.

تحوّلت الساحات إلى حيّز حيَ ارتجّ بالفرح حينا وبالتسلخات حينا آخر، ليصبح مع مرور الوقت أشبه بفن تجهيز متوسّع على نبض تحوّلات وحوادث الثورة المفصليّة.

تشارك كل الثوار على اختلافهم في صناعة هذا التجهيز الفني الهاجس بأحلامهم، كما يتشارك فنانون محترفون في رسم جدارية واحدة تحمل أسماءهم المجهولة/ المعروفة.

هذا الفرح حضر كثيرا ومنبعه إحساس الثوار، القادمين من مختلف المناطق والطوائف ومن مختلف الأعمار، بحلاوة التلاقي والمشاركة في رفض فساد هو مصدر تعاستهم وظروف معيشتهم المتردية.

دخل وجه "الجوكر" الكئيب/ المُتهكّم إلى الساحات وحضرت هيئات الثوار المُرتدين لملابس بلاستيكية بالألوان الفوسفورية لكي يكتمل التجهيز الفني المتحرك في الساحات

وأخذهم هذا الفرح حتى إلى محاولة استيعاب البلطجية، الذين هاجموهم وحطموا خيمهم، على اعتبار أنهم منهم وأكثر تعاسة منهم.

مع مرور الأيام عجت الساحات بالنشاطات الفنية المتنوعة من معارض لوحات متعلقة بالثورة ورسومات غرافيتي على الجدران وورشات فنية وعروض سينمائية وحفلات قوامها تشكيل رسومات ضوئية ملونة على جدران مبنى “البيضة” الذي توقف إنجازه مع اندلاع الحرب اللبنانية. وبرزت طرابلس في مشاهد بصرية رائعة تمثلت برفع وإنزال موحد لمصابيح الهواتف الجوالة في أيادي الجماهير على وقع كلمة “ثورة”.

تحوّلت الأضواء، أمام الناظر عن بعد، إلى تيارات كهربائية تدفّقت في الساحة الشاسعة تدفّق الموج في بحر هائج تغشاه الظلمات حينا، ليس إلاّ لتحتدّ إنارته بعد ذلك.

ونذكر أيضا الأشجار الميلادية المتنوعة التي يُمكن اعتبارها تجهيزات فنية من الطراز الأول تشارك الثوار في صناعتها من مواد رخيصة أضيف إلى الكثير منها الرسومات والكتابات المُتعلقة بالثورة. وجاءت ليالي الشموع التي أضاءتها النساء في جميع المدن اللبنانية، فتألقت السماء الليلية بقناديل من الضوء وخفقان الأعلام اللبنانية التي شفت من أمام حمرة وخضرة أضواء نيران الشُعلات التي أضاءها الثوار في أوج لحظات هذا الفرح الغرائبي المفتوح على المجهول وعلى شياطين السلطة المُتأملة والمنتظرة لكلل وملل الثوار، ممّا لم يحدث إلى الآن. وُيرجى ألّا يحدث أبدا.

كما نُظمت معارض للصور الفوتوغرافية المُستقاة من “دنيا” الثورة. وطليت بعض المباني بألوان العلم اللبناني وأضيفت إليها تعابير ثورية وأخرى عاشقة لوطن مُشتهى عليه أن يتحقّق بعد طول انتظار.

وحفلت كل المناطق اللبنانية بفرح لا بد من وصفه بالغرائبي، لأنه كان أشبه بعرس تلاقي اللبنانيين. بدا هذا الفرح كنوع من تمهيد لبزوغ نجم ثورة ستتكبّد الكثير من محاولات القمع المُباشر الذي بدأ يظهر منذ منتصف الشهر الثاني من الثورة، بداية باعتداء بلطجية السلطة على الثوار، ثم بحملات التعتيم الإعلامي على كل ما يجري من تحركات ثورية على الأرض وصولا إلى ضلوع الجيش والأمن في عمليات تمزيق الخيم وتكسيرها في الساحات تحت جنح ظلام الليل وتعامي الإعلام.

تحويل الحطام إلى أشكال فنية
تحويل الحطام إلى أشكال فنية

دُمّرت الخيم وأعيد إنشاؤها وعادت ودُمّرت من جديد وأعيد إنشاؤها مُجددا. حُرق نصب الثورة الخشبي في وسط بيروت فصُنع من جيد. وصُنع الثوار من مخلفات التدمير منحوتات فنية شاهدة على انبعاث الحياة ومنها طائر الفينيق الحديدي الذي صُنع في أوج صخب المظاهرات.

غير أن هذا الفرح الاستثنائي الذي حمل، دون شك، صفة “الفنية” تجلّى بامتياز، ليس في ما ذكرنا آنفا، ولا في مظاهر الغناء والرقص واختراع “اليافطات” القاسية التعبير حينا والطريفة حينا آخر، بل في القدرة على تحويل الحطام والممزقات والمخلفات إلى أشكال فنية شهدت على رغبة في الحياة وتغن بالجمالية كشكل نهائي تكوّن من كل ما نتج عن تمزيق الخيم و”اليافطات” وتكسير للمنصات ولأعمدتها.

وفي حين تم تجزئة وسط بيروت وتقسيمه عبر الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية، وبُني جدار باطوني مُسلّح من أقسام مُركّبة أمام مبنى اليونيسكو، عمد الثوار إلى تحويلها جميعا إلى أعمال فنية موشّحة بورود بيضاء طبيعية، علاوة على إلباسهم العوائق الباطنوية والخشبية رسومات غرافيتي صارخة الألوان والحياة.

وأخيرا وليس آخر، دخل وجه “الجوكر” الكئيب/ المُتهكّم إلى الساحات وحضرت هيئات الثوار المُرتدين لملابس بلاستيكية بالألوان الفوسفورية لكي يكتمل التجهيز الفني المتحرك في الساحات.

ويبقى “جوكر” الثوار العابر الأقصى لمنطق الثورة اللبنانية لوقاحة حضوره وشعرية ثورته المسلحة بسلمية تنجيه وتنحره في الوقت ذاته على وتيرة بطء سكين السلطة المنسلّ على رقبته كمسحة يد خبيثة تريد أن تظهر التعاطف والتفهم، لكنها لم ولن تنجح في الإقناع.

17