الفن الجريح يستعرض ذاته في "فيلا عودة" البيروتية

ذاكرة الفن التشكيلي تخلّد مأساة المرفأ بتقنية "الكينتسوغي".
الثلاثاء 2021/01/05
كارثة لا تنسى

ما زالت مأساة بيروت تُلهم الفنانين التشكيليين من لبنان وخارجه لتجسيد معاناة اللبنانيين ومحاولة ترميم ذاكرتهم بإنتاج أعمال فنية حديثة تعتمد على تقنيات عريقة يستدعيها الفنانون من حضارات أخرى.

افتتحت “فيلا عودة” الكائنة في منطقة الأشرفية من بيروت والمُطلة على شارع السراسقة العريق، معرضا فنيا جماعيا تحت عنوان “الفن الجريح” ويستمر في شهر يناير الحالي. ويضم المعرض أعمالا فنية غالبيتها الساحقة تعود إلى فنانين لبنانيين وبضعة أعمال أوروبية، إحداها لوحة للرسام الإيطالي غيدو ريني من القرن السابع عشر، وهي واحدة من مقتنيات متحف سرسق في بيروت.

وجاء المعرض كنوع من استذكار وتخليد لشهداء وجرحى وضحايا تفجير بيروت، الذي خلق موجة من الجنون تخطت كل ما اختبره لبنان إلى الآن، إن كان من ناحية دلالاته المعنوية أو لناحية قوته التدميرية.

ويعّرف القيمون على هذا المشروع المعرض بأنه “عبارة عن تعبير فني جديد مستوحى من تقنية الترميم بالذهب أو ‘كينتسوغي’ وهو نوع من علاج الصدمات أعقاب الكارثة، التي خلفها انفجار مرفأ بيروت على الأصعدة كافة وخصوصا لناحية الفن والثقافة”. فمن المعروف أن العدد الكبير من صالات بيروت الفنية والمتاحف قد تضررت وأن أعمالا فنية عديدة تدمرت بشكل كلي أو جزئي.

وتقنية الـ”كينتسوغي” التي انطلق منها القيمون على هذا المعرض، هي وباختصار شديد تقنية يابانية عريقة تعود إلى القرن الخامس عشر لإصلاح الخزف عن طريق  لصق مناطق الكسر بمادة ممزوجة بمسحوق الذهب أو البلاتين.

ولهذا الترميم قيمة فلسفية، تشير إلى أن الكسر وإصلاحه هما جزأين من تاريخ الجسم أو الكيان، ولا يجب إخفاؤهما أو التبخيس بأهمية تأثيرهما على مستقبل صاحب الجرح.

ويضيف أحد القيمين على المعرض “جان لوي مينغي”  قائلا “هذه الأعمال وضعناها متلاصقة لتؤلف لوحة مركبة تؤكد أنه مهما شهد الفن من تجريح وتدمير وأفسده الانفجار يبقى حاضرا بروحه. وفي هذا السياق يجب ألا ننسى بأن الفن هو عالم بحدّ ذاته يدور في نظام حركة دائمة يتحول باتجاهات مختلفة، ويعايشنا كظلنا ولا يمكنه أن يموت. وإذا ما غاب حضوره هذا عنا علينا أن ننفخ فيه الحياة”.

أعمال ناجية

الأحمر للتعبير عن المشاهد الدموية
الأحمر للتعبير عن المشاهد الدموية

تم توزيع الأعمال الفنية المختلفة الأحجام والتقنيات الفنية في الطابقين الأول والثاني من “فيلا عودة”. وانقسمت تلك الأعمال من نحت ورسم إلى ثلاثة أقسام تستكمل بعضها البعض من ناحية السردية البصرية، التي اشتغل عليها القيمون على المعرض، لتكون أشبه برحلة فانتازية متعددة الاتجاهات ولكن تصب تحت عنوان واحد وهو “الفن الجريح”. أما هذه الأقسام الثلاثة فتتمثل بالأولى التي ضمت أعمالا فنية ناجية من التلف وقد أصابتها تكسرات أو تمزقات لم تخضع للترميم إلا “سحريا” عبر أجواء موسيقية وضوئية وقصائد متلوّة. والمجموعة الثانية من الأعمال تضم أعمالا مستوحاة من تفجير بيروت. أما المجموعة الثالثة وقد تكونت من لوحات وأعمال نحتية تلقت تحويرا غرافيكيا فنيا يعيد إحياءها بشكل افتراضي.

إنه معرض ضخم ومجموع الأعمال المعروضة تكونت من لوحات ومنحوتات ابتكرها 35 فنانا من مختلف المشارب الفنية والأعمار ومستويات الخبرة الفنية. ونذكر من أسماء هؤلاء الفنانين: شفيق عبود وفريد عواد وصليبا الدويهي وبول غيراغوسيان وحسن جوني وسيسي سرسق وكاتيا طرابلسي وهلا عزالدين ونبيل نحاس وأروى سيف الدين وهادي سي وميساك طرزيان وأنطوني خليل وعماد فخري وفؤاد جوهر وندى صحناوي وحسن جوني ورؤوف رفاعي وآلان فاسويان.

ربما أهمية هذا المعرض لا تتعلق فقط بالكم الهائل من الأعمال الفنية المعروضة، التي تدور حول الجرح البيروتي بطريقة أو بأخرى، بل أيضا لكون هذا المعرض أشبه بسرد رواية فانتازية تاريخية بصرية ليست بعيدة عن أجواء الرعب النفسي، لاسيما تلك الأجواء التي نعثر عليها كثيرا في روايات إدغار آلان بو القصيرة،  لاسيما واحدة منها وهي التي تحمل عنوان “الصورة البيضاوية”، حيث يدخل  شخص جريح إلى فندق ليكتشف سرّ لوحة بيضاوية الشكل انبثقت فجأة إلى جانب لوحات فنية أخرى أثارت اهتمام الجريح الغامض. رواية قصيرة جدا تتحدث بشكل خاص عن جدلية الموت والحياة عبر الممارسة الفنية.

فانتازيا موسيقية

تقنية "الكينتسوغي" هي تقنية يابانية لإصلاح الخزف عن طريق لصق مناطق الكسر بمادة ممزوجة بمسحوق الذهب أو البلاتي
تقنية "الكينتسوغي" هي تقنية يابانية لإصلاح الخزف عن طريق لصق مناطق الكسر بمادة ممزوجة بمسحوق الذهب أو البلاتي

المعرض بكليته مصمم على يد السينوغرافي جان لوي مينغي، ليكون تجهيزا بصريا وسمعيا. والشق السمعي الساحر الذي أضاف بعدا فانتازيا على المعرض تكوّن من سماع قصائد وأشعار لجبران خليل جبران وناديا تويني وشارل قرم، وأنغام موسيقية مناسبة لأجواء المعرض لغابريال يارد وعبدالرحمن الباشا وأسامة الرحباني وزاد ملتقى وغيرهم.

هذا التصميم السينوغرافي، يجعل زائر المعرض وكأنه يدخل في نفق غرائبي لا تعود فيه الأعمال الفنية إلى الحياة  كما أراد القيمون على المعرض، بل تخرج منها أشباحها لتهز الكيان ولترفع وتيرة الأسى ولاجدوى الحياة في عالم غارق بنكران إنسانيته.

أعمال في الحقيقة لم تتم “مداواتها” بالموسيقى والأضواء والأشعار كما توقع القيمون على المعرض، بل تم تصعيد نبرتها بتجاورها مع بعضها البعض، تحت “منظومة ضوئية” لا تهدف إلى تحقيق رؤية الأعمال بشكل واضح، بل تهدف إلى التأكيد بأن لا النسيان مقبول ولا الذكرى هي تلك التي تؤسس إلى مستقبل مغاير، على الأقل، ليس في المدى القريب أو المتوسط.

الداخل إلى هذا المعرض، هو مُحمّل بجراحه الخاصة التي سيرى بعض أو أحد مظاهرها متجليا في لوحة أو عمل نحتي، يؤكد له أن ما يعرفه أو ما عاشه هو حقيقة وحقيقة ضاربة جذورها في الوجدان اللبناني وفي الذاكرة الجماعية البيروتية.

16