الفن الحديث يُجاور التاريخ ويحاوره في متحف دمشق الوطني

الملتقى الثامن للتصوير الزيتي حفل بمساهمة إبداعية لفنانين تشكيليين من سوريا تخيّروا أماكنهم بشكل عفوي وغير منظم صدحت فيه تناسقات لونية وتاريخية نادرة.
الجمعة 2020/09/18
الطبيعة والفن والتاريخ بألوان الحاضر

لا يمكن للفن أن يتوقف عند زمن محدد وحال واحدة، فهو يتدفّق عابرا العصور والأمكنة. وفي “ملتقى التصوير الزيتي الثامن: سوريا.. جسر المحبة” التقى بدمشق فنانون تشكيليون سوريون ليرسموا بإبداعات حديثة استوحوها من أجدادهم الذين رحلوا منذ آلاف السنين.

دمشق- في قلب مدينة دمشق وفي حديقة متحفها الوطني اختتم أخيرا الملتقى الثامن للتصوير الزيتي الذي تقيمه مديرية الفنون الجميلة بسوريا، مستعرضا لعشاق الفنون الجميلة عشرين لوحة من وحي خيالات وألوان عشرة فنانين تشكيليين سوريين من المخضرمين والشباب.

رمزية المكان حملت دلالة كبيرة، فعلى مقربة من الملتقى الذي امتد زهاء أسبوع تقبع الآلاف من الآثار التي حملت للمواطن السوري لقى تاريخية تركها لهه سلف مُبدع، وهو ما دفع بأحفادهم كي يستمروا في حمل مشعل الحضارة وبناء الإنسان بتقديم المزيد من الأعمال الفنية المُعاصرة التي تقاوم الألم وقسوة اللحظة الراهنة.

فرادة التجربة

قلق أم على مصير أبنائها باد في لوحة أيمن البيك
قلق أم على مصير أبنائها باد في لوحة أيمن البيك

حفل الملتقى بمساهمة إبداعية لعشرة فنانين تشكيليين معروفين على الساحة الفنية السورية ولهم إسهاماتهم في حركة التشكيل عبر أعمال ومعارض عديدة، وهم: أيمن البيك، إيمار الحميدي، بسام الحجلي، بيان الشامي، عزة حيدر، غسان عكل، فداء منصور، نور خوري، هبة طعان ووسيم عبدالحميد. اجتمعوا في هذا الملتقى الذي حمل شعار “سوريا.. جسر المحبة” تأكيدا منهم على أن سوريا ستبقى كما كانت منذ الأزل منبعا للمحبة والسلام بين الناس، فكما أن أرضها حملت الحضارة للبشرية ماضيا، فهي وإلى الآن لا تزال تقدّم هذه الإبداعات الحضارية والفنية.

تخيّر الفنانون المشاركون أماكنهم بشكل عفوي وغير منظم، بحيث صدحت فيه تناسقات لونية وتاريخية نادرة، شجيرات صغيرة تناثرت حولها بعض اللقى الحجرية أو الآثار المنصوبة في المكان، فهنا بقايا تمثال عمره الآلاف من السنين، وهناك بقايا حجر دوّنت عليها كتابات قديمة، وقريبا منهما لوحة فسيفساء ضخمة، وبين كل هذا وذاك فنانون معاصرون يستعملون أحدث ما وصل إليه الفن الحديث من طرائق ومدارس وأدوات ليرسموا لحظات إبداعية متدفقة في أرواحهم، ويقدّمونها في لوحات فنية تحمل ما يعتمل في أنفسهم من مشاعر إنسانية عميقة ودالة يحاكون بها أرواح أجدادهم الذين تركوا لهم هذا الإرث الحضاري التليد.

ألوان الطبيعة النضرة تتجسد في لوحة إيمار الحميدي
ألوان الطبيعة النضرة تتجسد في لوحة إيمار الحميدي

وفي ختام الملتقى قال عماد كسحوت، مدير الفنون الجميلة “في هذا العام أقمنا الدورة الثامنة من ملتقى التصوير الزيتي بسوريا، وهو صار إحدى الفعاليات التشكيلية السورية المتميزة التي يحرص العديد من الفنانين على المشاركة فيها إلى جانب معرضي الربيع والخريف الشهيرين، وكذلك المعارض الفردية أو الجماعية التي تقام على مدار العام”.

وأضاف “المتميز في الملتقى أنه يقدّم تجربة حياتية حقيقية، بحيث يرسم الفنانون المشاركون خلال فترة زمنية محدّدة ومع بعضهم البعض لوحاتهم في زمن متواز. وقد حرصنا في هذه الدورة على مشاركة فنانين من عدة مناطق سورية ومن شرائح مختلفة في العمر. وسوف نعزّز مكانة الملتقى في قادم الأيام ليكون مساحة فنية خلاقة يقدّم فيها المشاركون فنا جديدا متألقا”.

ومن المشاركين يحضر الفنان بسام الحجلي، الذي قال عن الملتقى “هو طريق ومخرج من الظروف الراهنة ونافذة للتطلع إلى الجمال”، مؤكّدا أن المشاركة في الملتقى تفتح لديه طاقات متميزة نحو رسومات وأعمال مبتكرة، لأنها تكوّنت في ظروف جديدة من حيث طبيعة التجربة الإبداعية ككل أو شعوره الخاص بها.

وغير بعيد عنه، وقفت الفنانة التشكيلية الشابة إيمار الحميدي التي تخيّرت لنفسها موضوع المرأة فقدّمت من خلال ما ترسم طموحات فنية وإنسانية تراها في مستقبل المرأة وكينونتها.

وتقول إيمار عن التجربة وهي التي تشارك للمرة الأولى في هكذا نوع من الأنشطة الفنية “رسمت سابقا أمام الناس من أهلي أو بعض أصدقائي، لكنها المرة الأولى التي أرسم فيها أمام العامة وفي مكان كهذا، وهو جو جديد عليّ يدفعني للرسم بطاقة أكبر، تحديدا مع خصوصية هذا المكان، حيث الآثار والتاريخ والحضارة، المكان يحفّز فيّ حالة الإبداع، فأنا أرسم وحولي إبداعات قديمة يتجاوز عمر بعضها الآلاف من السنين، فكرة تجاور هذه الإبداعات عبر الزمن خلاقة في حد ذاتها”.

وعن لوحتها أضافت “أهدف لرسم مكوّن جمالي عن المرأة، في تجليات روحية تحيط بها، تكون للألوان وشدة سطوعها الكلمة الفصل، فأنا أريد أن أضع المتلقي في حالة ذهنية خاصة، من عادتي ألاّ أفرض رأيا على المتلقي بأن أضع الرسم في توجه واضح محدد، بل أصنع لوحة تحمل عدة معان ودلالات وأترك له حرية فهم ما يريد منها، لكن الأمر اختلف هذه المرة نظرا لخصوصية المكان”.

أبناء الحياة

إيمار الحميدي تشكل من المرأة وطنها المشتهى
إيمار الحميدي تشكل من المرأة وطنها المشتهى

أما الفنان أيمن البيك، وهو أستاذ في معهد الفنون التطبيقية بدمشق، فرسم لوحة تعبّر عن حالة القلق والانكسار التي تعاني منها أم وابنتها في ظروفنا الحالية، وهو يرى في الملتقى أنه “حالة فنية صارت اعتيادية بدمشق، فقد تمّ العمل عليها مرارا قبل سنوات، لكنها خلال سنوات الأزمة توقّفت، لكي تُعاود نشاطها بقوة الآن، وهي فكرة ممتازة تدفع بالفنان لتقديم طاقة حيوية خلاقة، حيث يرسم في الطبيعة الحية بين الأشجار والأصوات والناس”.

وعن لوحته قال “رسمت لوحة للأم وهي تحمل رضيعا، كما تهتم بطفلة أخرى أمامها، هي لقطة تعبّر عن القلق الذي تُعاني منه هذه المرأة التي قاومت كثيرا في ظل ظروف قاسية وقاهرة، لكنها رغم ذلك مازالت تتمتّع بالقوة وتحمل لطفليها الكثير من الحنان والحب تزوّدهما به من أجل حياة مستقبلية أكثر إشراقا، إنها الأم التي تعلّمنا معنى القوة والثبات رغم حالة القلق التي تعيشها”.

ولم تبتعد لوحتا غسان عكل عن أسلوبه الخاص المرتبط بالحضارة والأسطورة والحرف العربي، وهو يقول “شكّلت تكوينات جمالية تتآلف مع أجواء المتحف الوطني بما يضمه من إرث حضاري أصيل، وهذا الملتقى يعد تجربة جميلة في عالم التشكيل السوري تسمح للفنانين بلقاء الجمهور بشكل مباشر”.

ورسم التشكيلي وسيم عبدالحميد، المدرس في معهد الفنون التطبيقية بدمشق، لوحتين بأسلوب تعبيري تجسدان السوريين أبناء الحياة خلال سنوات الحرب بمشهدية درامية خاصة، وأوضح أن مشاركة الفنان في الملتقى تسمح للجمهور بالاطلاع على نتاج الفنانين التشكيليين وتعطي الخبرات لكل المشاركين وخاصة الشباب منهم.

معرض

كذلك أنجزت الفنانة التشكيلية الشابة هبة طعان لوحتين قدّمت فيهما الملتقى ذاته كموضوع لهما مبرزة ذاك التجاور الحميمي بين التاريخ والحاضر، لوحتان تميزتا بألوانهما الزاهية التي تحمل الحيوية والنضارة.

وعن مشاركتها قالت “هي تجربة قدّمت لي فرصة تجاوز مبدأ المدارس الفنية في الرسم، حيث رسمت في مزاج فني مختلف عمّا أرسم به عادة”، مؤكّدة أنها اكتسبت وعلى مدار أسبوع من العمل مع زملائها في حديقة متحف دمشق الوطني العديد من الصداقات والكثير من التجارب.

وقال الفنان نور خوري الذي يشارك في الملتقى للمرة الأولى “أنا سعيد بهذه المشاركة التي أغنت تجربتي الحديثة نسبيا، وكانة مهمّة مشاركة فنانين من أعمار مختلفة لكي يطلعوا على أعمال بعضهم وبالتالي إغناء الحالة الفنية التي تخصّ كل واحد منهم، أرى أن هذا النوع من التفاعل سيقدّم ما فيه خير للحركة التشكيلية السورية عموما”.

هبة طعان قدمت لوحتين كان موضوعهما الملتقى ذاته

 

17