الفن الخام يسائل فرادة الصور ومسار الخلق

الاثنين 2015/03/02
الفن الخام يؤسس لفوضى الحواس المربكة جماليا

حرص متحف “البيت الأحمر” منذ افتتاحه على رعاية الحوار بين الفن الخام والفنانين المعاصرين، فبعد معرض تشكيلة أرنولف راينر (2005)، ومعرض “صخب وعنف” لهنري دارغر (2006)، و”الملهمين” لأوغستان لوساج وإلمار ترينكفالدر (2008)، و”ارتجاج الحداثة” للويس سوتر (2012)، نظم هذا المتحف الباريسي معرضا عن الفن الخام، يضمّ أعمالا لفنانين يضيق بهم التصنيف المعتاد.

ينسب مصطلح الفن الخام إلى الفرنسي جان دوبوفيه، الذي صاغه للدلالة على أعمال فئة عصامية تجهل القيم الفنية التقليدية والمعايير الجمالية المتعارفة. ويعني بتلك التسمية فنا عفويا لا يقوم على فكر أو ثقافة، فهو في العادة نتاج مرضى ومساجين ومهمشين لفظهم المجتمع.

وقد استفاد في اشتغاله على هذا النوع من الفن، ببحوث الدكتور الألماني هانس برينزهورن خلال عشرينات القرن الماضي في فن المجانين، ومن الدراسة التي خصصها الدكتور الكندي هنري مورغنتالر لأدولف فولفي، الذي كان نزيل إحدى مصحات الأمراض العقلية، وصار من أبرز ممثلي هذا الفن الذي بقي منذ ظهوره خارج التصنيف، أو ظل فنا مهملا، لانطوائه على قوانين خاصة، ينهل من ماضي الفرد ولاوعيه، ويلبي في عمومه حاجة باطنية للتعبير عن إحساس بالقلق والضيق بالوجود، ليقدم إبداعات غريبة تأخذ المتفرج إلى عالم خيالي مدهش أشبه برؤى داخلية.

تلك الأعمال، التي ظلت أعواما مخفية عن الأنظار، أو مثارا للسخرية والاستهزاء بوصفها خربشات مرضى أو هذيان مجانين، لا يحق لغير الأطباء النفسانيين وبعض المولعين بنتاج اللاوعي أن يطلعوا عليها، وجدت من يهتم بها ويقتنيها ويؤلف منها تشكيلة خاصة، كما يؤلف الأثرياء تشكيلات لكبار الفنانين في العالم.

من بين هؤلاء المولعين بالفن الخام، الفرنسي برونو دوشارم، الذي جمع ما يقارب 5 آلاف عمل فني منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما، سيرا على خطى ميشيل تيفوز المسؤول عن مجموعة الفن الخام، التي كان دوبوفيه قد أهداها عام 1975 لمتحف لوزان السويسري.

التشكيلة المعروضة تضم كافة اتجاهات الفن الخام، ذلك الذي رأى النور في مصحات الأمراض العقلية، أو شعّ في أذهان المهووسين بالمناظر الطبيعية

وكان لتكوين دوشارم الفلسفي (تتلمذ على فوكو ودولوز ولاكان) ونهم الاطلاع لديه، فضلا عن اشتغاله على خط تماسّ الفنون عبر أشرطة وثائقية عديدة، عمن يسميهم متطرفي الفن وعلاقتهم المباشرة بالمادة والشكل، وتعبيرهم الشبيه بخوف الأطفال أو صيحات المذعورين، ما جعله أقدر على فهم مسعاهم، والإقبال على اقتناء أعمالهم رغم ما لقيه هو أيضا من استهزاء في البداية.

لم يكتف دوشارم بجمع تلك الأعمال، بل أسس عام 1999 شركة “أي بي سي دي”، وهي الأحرف الأولى لـ”فن خام، معرفة وتوزيع”، للتعريف بهذا الفن لدى الجمهور العريض، عبر المعارض والنشر وإنتاج الأفلام الوثائقية، وإخراجه من الظلمات إلى النور.

يتوزع المعرض إلى اثني عشر فرعا بحسب الثيمات التي تناولها مبدعو الفن الخام، وهي في مجملها كونية، كالموت والحياة والخير والشر، للدلالة على كونهم معاصرين هم أيضا كسائر الفنانين.

وتضمّ التشكيلة المعروضة كافة اتجاهات الفن الخام، ذلك الذي رأى النور في مصحات الأمراض العقلية، أو شعّ في أذهان المهووسين بالمناظر الطبيعية، أو تبدى لوسطاء الأرواح، مثل الفرنسي فلوري جوزيف كريبان، وهو سبّاك وسمكري، زعم عام 1939 أنه سمع أصواتا تطلب منه إعداد أربعمائة “لوحة عجيبة” لتخليص العالم من الحرب. أو الأميركي هنري دارغر البواب الليلي بأحد المستشفيات الكاثوليكية الذي قضى لياليه يرسم مشاهد سادية مرعبة. أوالتشيكية أنّا زيمانكوفا التي عاشت طفولة أليمة بترت خلالها رجلاها، فكانت تبث الورق أوجاعها كل صباح من الرابعة إلى السابعة، وترسم عالما نباتيا غريبا مفعما بالإيروسية.

أو النمساوي جوزيف هوفر الذي فقد السمع صغيرا، وظل يصوغ في أشكال هندسية عجيبة أجسادا معذبة. أو الألماني هانس يورغ جورجي الذي صنع طائرات ورقية مبعثرة لإنقاذ البشرية، أو الأميركي جورج وايدنر الذي دوّن خلال أعوام ما سماه الشيفرة السرية لكوارث المستقبل.

المعرض يضمّ أعمالا لأعلام صاروا اليوم معروفين مثل السويسري أدولف فولفلي والروسي ألكسندر لوبانوف والسويسرية ألويز كورباز والفرنسي أوغستان لوساج

فالمعرض يضمّ أعمالا لأعلام صاروا اليوم معروفين مثل السويسري أدولف فولفلي والروسي ألكسندر لوبانوف والسويسرية ألويز كورباز والفرنسي أوغستان لوساج، وأخرى لفنانين أقل شهرة مثل فيكتوريان ساردو وجوديث سكوت وجان بيردريزيه.

وهي في مجملها أعمال هشة، من مواد فقيرة كالورق والقماش والأسلاك، لا تحتمل الإضاءة الخافتة إذا فاقت أربعة أشهر، كما يقول أنطوان دو غالبير مؤسس “البيت الأحمر”، الذي رأى في هذا المعرض بداية اعتراف بالفن الخام، في بلد لا تزال أشكال الفنون فيه مفصولة عن بعضها بعضا، بخلاف ألمانيا والولايات المتحدة، حيث تشهد أعمال هذه الفئة إقبالا مطردا، وتزايدا في قيمتها المالية.

تقول سافين فوبان، المسؤولة عن هذا الفرع في متحف لام بفيلنوف داسك شمالي فرنسا “إن عرض الفن الخام في متحف الفن الحديث والمعاصر، يدفع إلى التفكير عن موقعه في تاريخ الفن”.

وفي رأي فوبان أنه ثمة علاقات بين أصحاب هذا الفن ومبدعين كبار، مثل ماكس إرنست وبول كلي وأندري ماسون وأندري بروطون، والسورياليين وريمون كينو وبيكاسو، وحتى أنّيت ميساجي وجان تينغيلي. كلهم افتتنوا بالكيفية التي يسائل بها الفن الخام فرادة الصور ومسار الخلق.

16