الفن الشعبي التونسي يدخل الحياة الثقافية

من الضروري إحياء التراث الشعبي التونسي وجعله ركنا أساسيا في حياتنا الثقافية وانتشاله من غبار الأرياف.
الثلاثاء 2020/02/04
فن يحتاج إلى حمايته من الاندثار

في الستينات من القرن الماضي، اجتاحت النخب التونسية المثقفة موجة ما سمّاها الناقد والشاعر المغربي محمد بنيس بـ“الحداثة المعطوبة”، أو “الحداثة المفتعلة”، أو “الحداثة المريضة”، فبات الطلبة والمثقفون يكثرون من استعمال الكلمات الفرنسية حتى عندما يطلبون قهوة. بل قد يتخلون تماما عن لغتهم الأم، مُخيّرين عليها لغة موليير حين يتغزلون بحبيباتهم.

كما أنهم أظهروا الاحتقار للأغاني الشعبية والفولكلورية، والنفور منها باعتبارها رمزا للتخلف ليردّدوا أغاني إديث بياف، وجاك برال، وليو فاري، وجورج برسانس، وداليدا وغيرهم من مشاهير الغناء في فرنسا.

وأما القادمون من الأرياف فقد أصبح البعض منهم يخشون الاعتراف بأصولهم ليركبوا الموجة المذكورة، باذلين كل ما في وسعهم لإخفاء كل ما يمكن أن يفضح انتماءهم إلى المناطق الداخلية، وإلى القرى النائية والفقيرة.

في الثمانينات من القرن الماضي، بدأت موجة “الحداثة المعطوبة” تتراجع وتخفّ فما عاد المثقفون القادمون من الأرياف يتنكّرون لأصولهم

وتفاعلا مع “الحداثة” المعطوبة، لم تعد المؤسّسات الثقافية الرسمية تولي اهتماما كبيرا للتراث الشعبي مقتصرة على بث برنامج أسبوعي عبر الإذاعة الوطنية تقدّم خلاله الأغاني الشعبية المشهورة، وعلى الإشراف على حفلات يحضر فيها الرقص الشعبي، والموسيقى الشعبية.

مع ذلك ظل عشاق التراث الفني والشعبي في تونس يقاومون لإبقائه حيا في الذاكرة الشعبية. فقد قام باحثون بإصدار كتاب “الأغاني التونسية” للصادق الرزقي الذي يعتبر مرجعا أساسيا للتعريف بالموسيقى والأغاني الشعبية في مختلف البلاد التونسية. وبادر الطاهر الخميري بإصدار كتاب عن الأمثال التونسية.

لكن الراحل محمد المرزوقي كان الأكثر تمسكا بالتراث الشعبي، والأشد غيرة وتوقا لإحيائه، ونفض الغبار عن كنوزه. سبح ضدّ التيّار الجارف، معتمدا على مجهوداته الخاصة، وهو الذي راح يتنقل بين مختلف مناطق الجنوب التونسي على ظهور الإبل والحمير ليجمع الأغاني والأمثال والقصص وكل ما يجسّد روح التراث الشعبي في تجلياته عبر مختلف العصور، مبرزا بالخصوص أن ذلك التراث يمثل الهوية التونسية، ويعبّر بأفضل ما يمكن عن عادات وتقاليد وتاريخ قبائل الجنوب التونسي.

ورغم أن وزارة الثقافة التونسية لم تكترث به، ولم تتفاعل مع مشروعه، بل أبقته موظفا صغيرا براتب لا يكاد يفي بمستلزمات الحياة اليومية، فإن محمد المرزوقي دأب على مواصلة عمله بصبر وحماس ليصدر العديد من الكتب التي ستظل مراجع أساسية حول التراث الشعبي في الجنوب التونسي تحديدا، مثل “البدو في حلهم وترحالهم”، و“الجازية الهلالية”، و“ثورة المرازيق” وغيرها.

وفي الثمانينات من القرن الماضي، بدأت موجة “الحداثة المعطوبة” تتراجع وتخفّ فما عاد المثقفون القادمون من الأرياف يتنكّرون لأصولهم. وما عادوا أيضا يخشون التكلم بلهجات قراهم البعيدة، مردّدين أغاني أهلهم في أفراحهم وأتراحهم. وربما لهذا السبب بادرت مجموعة من الفانين، وجلهم من مواليد العاصمة من أمثال رجاء فرحات، وفاضل الجزيري، وفاضل الجعايبي بتنظيم حفلة ضخمة احتفاء بالفنون الشعبية في افتتاح مهرجان قرطاج الصيفي وذلك مطلع التسعينات من القرن الماضي.

المؤسّسات الثقافية الرسمية لم تعد تولي اهتماما كبيرا لهذا الفن تفاعلا مع "الحداثة" المعطوبة
المؤسّسات الثقافية الرسمية لم تعد تولي اهتماما كبيرا لهذا الفن تفاعلا مع "الحداثة" المعطوبة

وقبل ذلك كان على هؤلاء أن يتوغلوا في المناطق الداخلية للبلاد بحثا عن رجال ونساء من مختلف الأعمار ظلوا يحتفظون بأغان بديعة تعكس عاداتهم وتقاليدهم في مراحل مختلفة من التاريخ. وقد لاقى الحفل المذكور نجاحا منقطع النظير، وباتت الأغاني التي تردّدت خلاله على ألسنة حتى من كان قد جرفهم تيار “الحداثة المعطوبة”.

وخلال السنوات الماضية، شهدت أغاني “الراب” انتشارا هائلا في جميع أنحاء البلاد التونسية، جاذبة بالخصوص الشباب الغاضب والحائر والمتمرّد والساخط على البطالة، وعلى الوعود الكاذبة، وعلى السياسيين المتكالبين على الكراسي. ولكن قليلة هي أغاني “الراب” التونسية التي ترتقي إلى المستوى المرجو والمطلوب، بل إن جلها هزيلة وسطحية وفقيرة شكلا ومضمونا.

لذا تعالت أصوات من هنا ومن هناك تطالب بضرورة إحياء التراث الشعبي التونسي، وجعله ركنا أساسيا في حياتنا الثقافية، وانتشاله من غبار الأرياف وصمتها وعزلتها لكي يتعرّف التونسيون على عنصر أساسي من عناصر هويتهم الوطنية.

ولن يتم ذلك بتنظيم حفلات سنوية في مدينة الثقافة للتعرف على الفنون الشعبية في مختلف المناطق، بل على وزارة الثقافة أن تبعث للوجود مؤسّسة مجهزة بوسائل الاتصال الحديثة، وعليها يشرف المختصون في التراث الشعبي من شعراء ومن باحثين لكي لا يندثر هذا الفن، وتموت شجرته بجميع فروعها.

15