الفن العربي يعاني اجتياحا غير مسبوق لظاهرة العنف

ليس الفن في برجه العاجي يعيش بعيدا نائيا عن أمواج العنف التي تعصف بالحياة من حولنا، ولا الفنان في منأى عن هذا وإلاّ تعطل الإبداع، ومهما قيل أن الفن والفنان مسالمان بالأساس وينأيان عن العنف، إلاّ أن واقع الأحوال ينبئ بغير ذلك.
الأربعاء 2015/07/15
الفن بات ينطق بالعنف هو الآخر

بات المواطن العربي اليوم يعيش تراجيديا لم يعد فيها الفن إلاّ صورة أخرى وتنويعا آخر على أزمنة العنف التي تحيط بنا، وتجلياتها كثيرة ومتنوعة فحتى البلدان الآمنة التي لم يجتحها العنف، كما في ساحات الصراع في العالم العربي، فإنها مشاركة لجهة المشاهدة، وصار الفنان شاهدا بعين بصيرة وعقل واع على ما يجري، التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي صارت تختصر الأمر، وتلقي بالفنان في قلب الأحداث شاء أم أبى فإلى أين المفر؟

بالطبع لا سبيل أن ينأى الفنان بنفسه في برج عاجي منصرفا عن شواردها، سواء أكان مسرحيا أم تشكيليا أم سينمائيا أم غير ذلك، فالحياة منبع ثري لموضوعات الفنان ومعين لا ينفد، وعلاقته مع جمهوره هي الأساس وهي التي تمنحه أحقية الوجود والاعتراف به فنانا، بل إن من الفنانين الأكثر واقعية وأكثر التصاقا بالناس، يعدون الحياة اليومية متنفسهم فتجدهم يتجولون في الأسواق ويختلطون بالناس ويتخذون مقاعد لهم في المقاهي والأماكن العامة.

وعلى هذا صرنا نشهد يوما بعد يوم هذا الكم المتزايد من موضوعات العنف في الأعمال الإبداعية وهي تتسلسل شعوريا ولا شعوريا في أعمال الفنان، عنف متنوع تظهر فيه الأيقونات الدالة على العنف في جذوات متفاوتة وقوة تعبير ودلالة تختلف من فنان إلى آخر، ولكنها تشترك في مصطلح يمكن أن يختصر الحالة، ألا وهو الفن العنيف أو الذي ينطق بالعنف هذا الذي صرنا نتلقاه بشكل متواصل.

لا سبيل اليوم أن ينأى الفنان بنفسه في برج عاجي منصرفا عن شوارد اليومي، فالحياة منبع ثري لموضوعاته ومعين لا ينفد

دفعة واحدة شاهدت عملا مسرحيا وعدة أفلام قصيرة، وحضرت معرضا تشكيليا لعدة فنانين تشكيليين، فيما قدمت وسائل التواصل الاجتماعي نصوصا شعرية لشعراء مختلفي التجارب والانتماءات، وبعدما أمعنت النظر نقديا فيها كلها وجدتها باقة إبداعية متفردة، تعالج كل منها منحى من مناحي الحياة وأزماتها، وتقدم صورا وشخصيات واقعية وتشرّق وتغرّب في المعالجة والأسلوب والموضوع.

مع ذلك تشترك جميعها في وظائفية تعبيرية، ألا وهي جدلية العنف التي صارت مرتبطة بوثاق متين مع العمل الإبداعي، بل صار الفنان يجدد أسلوبه في طريقة التعبير عن العنف.

أسوأ ما في القصة كلها، هو الانزلاق إلى طابع المباشرة، وهي خاصية لا تخدم تجربة المبدع ولا منجزه الفني، فالمباشرة التعبوية آنية وعابرة ولن تصمد طويلا، لكننا صرنا نشهد تنويعا ملفتا على إشكالية العنف بمستويات وتجليات مختلفة، حتى صار العنف بشكل ما تعبيرا قادرا على العيش في إطار العمل الفني، وأن يكون نواة تجريبية لأعمال أخرى ومشاريع أخرى يمكن أن يضطلع بها الفنان في تجارب لاحقة.

بموازاة ذلك صرنا نتوقف أيضا عند جانب آخر، أو وجه آخر من الظاهرة، ألا هو المتعلق بجمهور المتلقين أنفسهم الذين هم واقعيا خليط متعدد من انتماءات ومشارب ومواقف ورؤى متباينة، وهؤلاء ينظرون إلى العنف الذي يقدمه العمل الفني اليوم من زوايا مختلفة.

فمنهم من يختلف مع الفنان، ولا يرى فائدة ترجى من انصرافه عن شتى الموضوعات واكتفائه بموضوع العنف، وهي الإشكالية التي يحاول المتلقي في حياته اليومية التخلص منها من فرط ما يتلقى من قصص العنف يوميا.. تلك التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة، وفي الوقت نفسه هنالك من يتفاعل مع إشكالية الفنان وتفسيره المختلف لمسألة العنف، وما بين هذا وذاك تبقى دوامة العنف في العالم العربي تعصف بالجميع، وليس الفن ولا الفنان في منأى عنها، ولو سكن في بروج مشيدة.

16