الفن الفقير يعيد الصلة المباشرة بين المشاهد والخامات الطبيعية

يعد ”الفن الفقير” تيارا فنّيا ظهر في إيطاليا منذ مطلع الستينات، للتنديد بمجتمع الاستهلاك والمطالبة بالحقوق الإنسانية والسياسية للمجتمعات المقهورة ولردّ الفعل على حركات البوب آرت والتقليلية (المينيماليزم) في الولايات المتحدة، وشمل الفنون التشكيلية والموسيقى والديزاين والهندسة المعمارية والمسرح والسينما التجريبية.
الاثنين 2016/08/22
فن هش يستخدم أكثر العناصر خشونة

حتى نهاية شهر أغسطس الجاري يحتفي مركز بومبيدو للفن الحديث بباريس بـ”الفن الفقير”، وهو فن نهض على استخدام الخامات الأولية البدائية كوسائط تشكيلية تعبيرية، ونشأ بجهود مجموعة من الشبان، هم على التوالي، كما خلدهم أليغييرو بويتّي في إحدى لوحاته، باوليني، فابرو، جيلاردي، بياشنتينو، نيسبولو، زوريو، بيستوليتو، بويتّي، سيمونيتي، كونيلّيس، شيرولي، باسكالي، إيكارو، موندينو، ميرز وسكيفانو، كانوا يلتقون حول حساسية فنية وسياسية معينة.

الصناعي والطبيعي

على غرار الفن المفهومي واللاند آرت، وجدت هذه المجموعة أروقة تحتضن أعمالها، ثم ناقدا أو مؤرخ فن يدرجها ضمن مسار الفن المعاصر، لتشكل حركة قائمة الذات تركزت منذ ظهورها عام 1960 في ثلاث مدن إيطالية هي تورينو وجنوة وروما، ما يعني ثلاثة مسارح فنية ليست مرتبطة ببعضها البعض بالضرورة، لاختلاف المشارب والتوجهات، وإن كانت كلها تلتقي عند تصور عام لما ينبغي أن يكون عليه الفن في تلك المرحلة.

فالغاية، كما يقول جرمانو شيلانت مبتدع مصطلح “آرتي بوفيرا”، لم تكن اصطفافا خلف طريقة محددة في العمل بقدر ما كانت تأكيدا على إعادة ترسيخ الصلة المباشرة بين المشاهد والخامات الطبيعية وإبراز التقنيات الحرفية العتيقة التي تفتقر للخلفيات الثقافية.

ما يجمع أفراد هذه المجموعة إذن، إذا صرفنا النظر عن الدوافع الأيديولوجية التي توحدهم، هو نزوعهم إلى استعمال الخامات الفقيرة، أي المواد الطبيعية كالحجر والرمل والطين والخشب والفحم، وكذلك الصوف وأوراق الشجر وريش العصافير وحتى السّلَطة، ذلك أن أتباع هذا التيار، خلافا لفناني الواقعية الجديدة في فرنسا، لا يستعملون مواد الاستهلاك كالبلاستيك والورق المقوى وما شابه، بل يستخدمون المواد الصناعية ومواد البناء كأسلاك الحديد وعوارض الفولاذ الصدئة والبطاريات وأنابيب النيون، ولكن دون تقويمها أو تحويرها، إذ عادة ما يتركونها كما هي، ويؤلفون منها تشكيلات فنية حسب تصورهم. فمصطلح “الفقير” هنا تقصد به الخشونة والصّلابة وحتى القذارة.

الفن الفقير يريد أن يكون صدى لتبعات الصدام بين ثقافتين، إحداهما مدينية صناعية، والثانية زراعية ورعوية

ينبني الفن الفقير على المزج بين ما هو صناعي وما هو طبيعي، عن طريق اللّيّ حينا والدّعك حينا آخر، كما يتبدى في “ليّ” الذي أنجزه جيوفاني أنيسلمو عام 1968 مثلا، أو في عمله الآخر “بلا عنوان” الذي أبدعه في العام نفسه وفيه جمع بين قالب من الغرانيت صيغ في شكل أصيص، وبين خَسّ وضع فوقه.

هذا التوتر بين المواد الذي يتجلى في أعمال هذه الحركة، يعود إلى الظرف التاريخي الذي ظهر فيه الفن الفقير، فقد كانت إيطاليا ما بعد الحرب مسرحا للتحولات الاجتماعية والتنمية الصناعية، وشهدت نزوح سكان الأرياف إلى المدن، حيث هجر المزارعون -أو أبناؤهم- أراضيهم وحقولهم وصاروا عمالا في الحظائر والمصانع، فتخلّوا بذلك عن نمط عيشهم التقليدي. والفن الفقير يريد أن يكون صدى لتبعات الصدام بين ثقافتين، إحداهما مدينية صناعية، والثانية زراعية ورعوية.

خلق هش

بغضّ النظر عن نوع الخامات المستعملة، يوجد في الفن الفقير، كما يقول برنارد بليستين، مدير المتحف الوطني للفن الحديث، “فكر يقظ يأخذ بعين الاعتبار عدم ثبات العناصر”، لأن الفن في رأيه مرتبط بدورة الحياة، متفطّن لحركة الأشياء في مدّها وجزرها، مُنصتٌ لأنفاس الكائنات والعالَم. على غرار “أنفاس” لجوزيبي بينوني التي أنجزها عام 1978، أعِدّت منحوتات من الطين المحمّى ذات قاعدة محدّبة كقواعد الجرار، وعنق مقولب على شكل فم الفنان فيما يحمل الباقي طابع جسده، وهو يتكئ عليه، أي أن حركة الفنان لا قيمة لها إلا متى كانت المادة التي يعتمد عليها تقابله بالمثل.

بقدر ما كان الفن الفقير يضع رمزية العالم في المقام الأول، صار اليوم يطرح مسألة الفعل والمادة بالدرجة الأولى

ويشكل البعد الرمزي السمة الثالثة للفن الفقير، فهو يكشف عن ظواهر كونية، ميثولوجية كتحولات أوفيد، أو فيزيائية كالجاذبية المغناطيسية لدى جوفاني أنسيلمو، والطاقة الكهربائية لدى جيلبرتو زوريو، والنفَس الحيويّ لدى جوزيبي بينوني، إضافة إلى تعدد اللغات لدى أليغيرو بويتي، وتتالي الأرقام اللانهائي لدى ماريو ميرز.

ولو أنه في ما بعد تخلى عنه رموز هذا التيار تدريجيا، كما تؤكد الناقدة جوانا نيفيس، إذ كتبت تقول في كاتالوغ المعرض “بقدر ما كان الفن الفقير يضع رمزية العالم في المقام الأول، صار اليوم يطرح مسألة الفعل والمادة بالدرجة الأولى”، ذلك أن مبدع الفن الفقير المعاصر بات يهتم بالمسار الذي يسبق الأثر، ومطابقة الشكل للخصائص المادية لتلك الخامات، دون أن يخضعها لشكل معيّن أكثر من اهتمامه بالأثر نفسه.

والخلاصة أن هذا النوع من الفن فقير من جهة خاماته وتقنياته، وفقير من جهة رفض الفنان كل ما لا يدخل ضمن خصائص الخامات، وفقير أيضا من جهة هشاشته، فمن الصعب نقل الأعمال أو حفظها في حالتها الأولى، ما يجعل عملية الخلق لدى فناني هذه الحركة عرضية، متحولة، تستجيب للورشات أكثر من استجابتها لشروط المعارض.

16