الفن المعاصر تجاوز تقاليد المهارة والأسلوب والقواعد القارة

الفن بات مرتبطا بتصور ثقافي طارئ، متصل بمواضعات مجتمع الاستهلاك ونظام السوق المتغول.
الأربعاء 2019/06/12
أعمال تعبث بالأنماط والقيم المستقرة

لم يعد الإبداع والفن الإنسانيان رهينين لشرنقة الهوية، بل مزقاها للانطلاق إلى ما هو كوني مشترك، خاصة مع ظهور المواطن العالمي، إثر انتشار العولمة التي خلقت مجتمعات متشابهة، وبالتالي ظهر فن لا يضع رهانه الأول في الهوية داخل حدودها التقليدية، بل هو يحاول التملص من كل ما يعيق عالميته وتعدد أبعاده وقضاياه وأساليبه.

 في كتابه عن “الفن المعاصر” استعمل الناقد ومؤرخ الفن البريطاني جوليان استلابراس مقارنة دالة بين الفن المعاصر واقتصاد السوق والنظام المعولم، حيث الحرية لا منطق لها، ولا رادع للانتهاكات الممارسة عبرها، إذ ما لبثت الحواجز بين الهويات واللغات والثقافات أن تساقطت تباعا، أمام المد الجارف للمثال الأقوى والأكثر تأثيرا، وسرعان ما تخفف الفن من هوس الحدود والقيم الأصلية، باصطناع نخبوية غير منتسبة ولا محصورة، منحت له إمكانية السيحان، بين دوائر طالما انغلقت على قناعاتها، بصدد الجميل والنافذ والمؤثر.

في هذا السياق تحديدا يبدو تجاوز الفن المعاصر لتقاليد المهارة والأسلوب، والقواعد القارة للتعبير، وعبثه بالأنماط والقيم المستقرة، وبحثه عن “لهو فكري” وتأملات زائغة، منطلقا حاسما حوّل تدريجيا طموحه الاحتجاجي والتمردي، إلى نزوع معارض للنموذج المأثور لمقتنيات المتاحف، ومعروضات الأروقة، ومن ثم بات مرتبطا بتصور ثقافي طارئ، متصل بمواضعات مجتمع الاستهلاك ونظام السوق المتغول، ليس فقط في انحرافات التطور وتوحشه، وإنما أيضا في انتفاء الخصوصية على نحو متفاقم، وتعويم الممارسة التشكيلية في مدار ملتبس، إذ  “من الممكن دائما- بتعبير جوليان استلابراس- أن يشتري جامعُ تحف ألماني عبر تاجر بريطاني عملا لفنان صيني مقيم في الولايات المتحدة”.

فنانون مغاربة

قبل أسبوعين تقريبا، وفي الفترة الممتدة من منتصف شهر ماي الماضي إلى نهايته، التأم في رواق سولغير –بويل بلندن المختص في الفن الأفريقي المعاصر، معرض تشكيلي، لستة فنانين مغاربة من جيل جديد، هم على التوالي: مديحة الصباني ونافع بن كريش ومحمد سعيد شاعر ورشيد أوهني وجهاد اليسع ونسرين خلتينت. أعرف معظم هذه الأسماء، وبعضهم سبق أن درسته قبل سنوات، وحملت في ذهني دوما تعاطفا مع اقتراحاتهم الفنية؛ عُنون المعرض بالأحرف الأولى من الترجمة الإنكليزية  لعبارة “فنانين مغاربة شباب” أي ما يعرف اختصارا بـ”YMA”، وقد نسج على منوال حلقة “الفنانين البريطانيين الشباب”، لكن العنوان المختصر له دلالة “الأم” في اللهجة المغربية، وكأنما هو تعبير عن فطام ممتنع عن المشارب الأصلية المتغلغلة في الوجدان.

يُقدم العرض، في الموقع الخاص بالرواق البريطاني على الشبكة، بوصفه “تعريفا بمواهب يافعة وحساسيات فنية لمواطنين أفارقة وعالميين”، ويبدو أن مفردة “عالميين” هنا تسعى أساسا إلى تبيين الطموح الجماعي إلى التواؤم مع المنجز الفني المعاصر، الساخر والهجائي من جانب، والنابذ لشرنقة الهوية من جانب آخر. بيد أن التوصيف لا يخلو أيضا من رغبة في إعادة إنتاج النظير المتكلم للغة غير تقليدية، ملتبسة، ومكتنزة بالإحالات الرمزية، وإن استندت في بعضها على مجازات شائعة.

هناك طموح جماعي عند الفنانين إلى التواؤم مع المنجز الفني المعاصر، الساخر والهجائي والنابذ لشرنقة الهوية

والحق أنه من الصعب جدا اقتراح معرض فني مغر على جمهور أوروبي في إحدى أعرق عواصم الفنون، ومن أهم أسواق الفن في العالم، دون أن نقرنه بتفاصيل النادر والطريف، والمتصل بنموذج مختلف يقتسم قواعد الفن المعاصر ذاتها، في رهانها على الجسد والحرية والآلة والزمن والنفس التهكمي المدنس أحيانا، إنما بنكهة جنوبية تجعل لسمات الاستهلاك والتوحش والتسلط والتدجين، صورا نابعة من بيئة غير أوروبية، لنقل غير مستهلكة في النموذج البيئي المحتضن لمرجعيات الفن المعاصر.

المواطنة العالمية

في منحوتة نافع بن كريش كما في لوحة محمد سعيد شاعر ثمة رهان على وقع النقصان والتنميط، التي تكتسح المتداول واليومي، المنحوتة عبارة عن “دجاجة” مختصرة، معاقة بتعبير أدق، تحولت إلى مجرد كرة ملفوفة في ريش دجاج، دونما رأس أو جناحين، محمولة على ساقين ذهبيين، أما اللوحة فهي لجسدين بلباس مسدل، ورأس مستطيل، وكأنما الجسد يحتمي بلياقته ولحميته، إذا شئنا، خارج الوظائف والذهنيات، أو خارج الخيال بالأحرى، وقريبا من التماثل؛ قد نقول إنها كتل شيئية، صنعها قدرها، ودجّنها الوجود في فضاء أنهكته حريته، وهروبه من تخومه… هل هي هويات دون اشتراطات ولا نزوعات؟ محتمل، بيد أن الشيء الأكيد أنها أمثولات هاربة من محيطها، لأجل اكتساب كنه رمزي.

في أعمال أخرى لمديحة الصباني وجهاد اليسع ورشيد أوحني ثمة سعي لربط النزوع الاحتجاجي والتفكيكي لعالم مضغوط بسلط وتراتبيات ومستنسخات، بتنوع تركيبي وتصويري يراوح بين اللوحة والفوتوغرافيا والتركيب، من لباس المرأة المنطوي على جوهر تكمي، إلى الأواني الحاملة للمعنى قبل السائل والصلب، إلى صور تتراسل عموديا وأفقيا وطرديا في رقم متماثل، لوجوه من أعراق وأعمار متنائية، وتتقدم كلها ضمن نسق متساند لا تناظر فيه، وإنما تشوف إلى الإيحاء بسطوة المحيط وانتفاء التواصل، وتغول المجتمع المرتهن لتحولات مهلكة.

والشيء المؤكد أن صيغ الفن المعاصر في تشييد مدونته “المستحدثة”، تتنافى مع الاحتماء بنزوع “تذاوتي” متمركز، بيد أن تلك الحرية ذاتها المرتهنة للفضاء المفتوح للتلقي، لا تشيد أساليب دون ذاكرة، وإلا فإنه لا يبقى ثمة جدوى لعرض أعمال قادمة من جنوب، تتساكن فيه الهويات وتتقاطع، ضمن رواق فني في بريطانيا، حيث الحساسية تجاه تجاوز الأنماط التصويرية قطعت أشواطا توازي اندفاعة النموذج الثقافي المعولم إلى نفي الخصوصيات.

 من هنا يمكن التأكيد على أن “المواطنة العالمية”، كما مثلتها أعمال هؤلاء الفنانين الشباب، لم تستقم إلا بنهلهم الواضح من ذاكرة الحواس التي استأنست بخيالات الطفولة والمعيش اليومي وظلال الكلام المكتوم.

Thumbnail
15