الفن المعاصر يتنصّل عمدا من التواصل

الأعمال التي لا تقبل الاستهلاك تلغي ببساطة إمكانية اللقاء، أي التواصل مع المتلقيّ، ما يهدّد سلطة الفن التأثيرية.
الجمعة 2020/05/08
بين المبدع والمتلقي تظل الأسئلة عالقة

لا جدال أن الفن المعاصر يثير الأسئلة أكثر ممّا يثير الدهشة، فهو في بحث دائم عن سبل غير مألوفة، ولكن بحثه ذاك جعله في عمومه مستعصيا على التواصل مع المتلقي. فهل يحرص أصحابه على التواصل أم هم يتعمدون القطيعة؟ ذلك موضوع كتاب جديد بعنوان “جمالية اللقاء. لغز الفن المعاصر”.

في “جمالية التواصل. لغز الفن المعاصر”، ينطلق الفيلسوف باتيست موريزو، ومؤرخة الفن زونغ مينغوال من مناقشة غاية يحرص عليها المبدعون في شتى الفنون ألا وهي ترك أثر في نفوس المتلقين، قد يبلغ مبلغ تغيير رؤيته لذاته وللعالم، ولكنهما لا يعثران عليها في الفن المعاصر، فهو لا يُحدث شيئا في نظرهما، بل يبدو أنه يتنصّل عمدًا من التواصل. وقد قادتهما التجربة المتكرّرة أمام أعمال لا تُحدث أي شيء، ولا تثير مشاعر أو فكرة أو أسئلة، إلى التساؤل عمّا أسمياه “لغز” الفن المعاصر.

مقاربة جينالوجية

كتاب يعالج قضية الفن المعاصر من زاوية الجمهور المتلقي
كتاب يعالج قضية الفن المعاصر من زاوية الجمهور المتلقي

يستحضر المؤلفان في القسم الأول من الكتاب جينالوجيا هذا الوضع، ويسعيان إلى تفسير محاولة الفن المعاصر أن يكون غير موجود أو غير واقعي، فيفكّكان مختلف الأحكام المسبقة التي تنبني عليها مقاربتنا لهذا الفن، ويسوّيان بين قصور المشاهد المزعوم الذي يعجز عن فهم ما يقترح عليه، وبين طابع الأعمال المفرط في الطلائعية. ويرجّحان انطواء الفن على ذاته كأحد أسباب غياب ذلك التواصل.

والمقصود بالانطواء هنا هو البعد التأملي للفن عموما ومتابعةُ الوسائطِ الاستبطانيةُ التي تشكّله، وقد باتا منذ الحداثة، معيارا وغاية. ويستشهد المؤلفان بالفنان والمنظر الأميركي أدولف راينهارت (1913-1967) أحد رواد الفن التصوّري والفنّ التقليلي، المعروف بلوحاته السوداء، وكان قد صرّح بأنّ “كلّ شيء ينبغي ألاّ يقبل الإنقاص، ولا الإدراك، ولا إعادة الإنتاج. لا شيء ينبغي أن يكون صالحا للاستعمال والمعالجة والبيع والتسويق والجمع والإمساك”.

ما يعني في نظرهما أن موقف الفنانين المعاصرين هو امتداد لهذا التصوّر الحداثي للفن كاستكشاف لحدود الوسائط، وأن الفن المعاصر يستمد مرجعيته من الإرث الطلائعي على اختلاف تفرعاته، وأن طلائعية القرن العشرين هي التي أحدثت هذا الانفصال بين الآثار الفنية والزوار.

ولكن لئن سمحت هذه المقاربة الجينالوجية بتفسير الأسباب التي جعلت الأعمال أكثر تمنّعا على المتلقي، فإنها لا تفسّر رفض الأعمال التواصل مع المشاهد، ورفضها التأثير فيه. أي أن ثمة قطيعة بين البعد الاستفزازي للطلائعيين الذي كان يهدف إلى إحداث أثر في المشاهدين، وبين لاواقعية الفن المعاصر. لفهم عدم قابلية الآثار الفنية للتصرّف، يركز المؤلفان على براديغم يتمّ على ضوئه إدراك مجمل الإنتاج الثقافي.

وفي القسم الثاني، يطرح المؤلفان فرضية ظهور براديغم إدراكٍ جديد في القرن العشرين هو الهضم. أي أن الأعمال الفنية، وجميع المنتوجات الثقافية، يقع صَوْغُها لغرض استهلاكها وابتلاعها وهضمها بشكل فوري، دون تنصّل أو مماطلة، بخلاف ما كان يدعو إليه مارسيل دوشامب، مثلا.

وفي رأي المؤلفين أن الصناعة الثقافية تثمّن المنتوجات القابلة للهضم، فيما يعمّم المستخدمون نمط التلقي الهضمي على سائر الإنتاج الفني. ما يعني أن المتلقي ينتظر أن يَقبل الأثر التعرّف عليه بسرعة، ووضعه في سردية بسهولة، أي أن يكون قابلا للهضم فورا، دون تأخير.

انطواء الفن على ذاته غيّب التواصل مع المتلقّي، نظرا لعجزه عن فهم ما يقترح عليه الفن المفرط في الطلائعية
انطواء الفن على ذاته غيّب التواصل مع المتلقّي، نظرا لعجزه عن فهم ما يقترح عليه الفن المفرط في الطلائعية

هذا البراديغم اتخذه المؤلفان لبناء طريقة يفسران بها مسعى انطواء الفن المعاصر على نفسه. إذا فرضنا أن كل شيء ينبغي أن يكون قابلا للهضم، فإن الفن يسعى إلى الحفاظ على فرادته بوصفه “عسير الهضم”، ما يدفع الفنانين إلى التنصل من هذا الفرض بجعل أعمالهم غير قابلة للإدراك. يقول المؤلفان “لكي لا يكونوا منهضمين، فقد جعلوا أنفسهم عسيري الهضم، أو ممتنعين عن الهضم بصورة مطلقة”، أي أن الفن المعاصر هو بالأساس استراتيجيا مقاومة.

بيد أن استعمال هذه الاستراتيجيا، كما يبين المؤلفان، قد يكون من جرائره إحداث قطيعة بين الفن المعاصر وجمهوره بشكل راديكالي، لأن الأعمال “التي لا تقبل الاستهلاك” تلغي ببساطة إمكانية اللقاء، أي التواصل، ما يهدّد سلطة الفن التأثيرية. إذ كيف يمكن أن يغيّر عمل فني متلقيه إذا كان هذا العمل مستقيلا أو رافضا لفكرة الالتقاء بجمهوره؟

ويضرب المؤلفان مثالا على ذلك بفن الفيديو حيث “المونتاج مقطَّع، والصوت مكتوم، والصور مشوّشة، والتتابع مضطرب، والصوت خارج الصورة غير مفهوم، والسرد غائب، وموضوع الشريط ثابت أو جامد”، أي أن الفيديوهات تخالف ما يستوجبه التلقي “القابل للهضم”، فتصبح غير قابلة للمشاهدة، وغير ذات جدوى.

بين الهضم والفهم

يلاحظ المؤلفان الفيلسوف باتيست موريزو ومؤرخة الفن زونغ مينغوال في كتابهما “جمالية التواصل. لغز الفن المعاصر” أن بعض الأعمال تميل إلى براديغم الهضم، وتسعى إلى أن تكون قابلة للفهم، واعية بأن شرط مشاهدتها هو تميّزها عن الأعمال التي ترفض التأويل، لأن العيون لا تنفكّ تتنقّل من صورة إلى أخرى في عملية “زابينغ” متواصلة. ما يضعنا أمام مأزقين: مأزق المشاهد المتعوّد على هضم كل ما يعرض عليه، ومأزق الأعمال التي تتمنّع على إمكانية الهضم. أي أننا من جهة إزاء “لقاءات خاطئة” مع أعمال مقولبة تتبنى براديغم الهضم معيارا، ومن جهة أخرى أمام “لقاءات معدومة” مع أعمال ترفض أي نوع من التأثير والفاعلية.

وفي كلتا الحالتين لا يحدث أي شيء، لأن اللقاءين يمثّلان شكلين مختلين ومتناظرين للتجربة الجمالية. ولا يبقى في نظر المؤلفين سوى المواصفات المُمكنة للقاء حقيقي مع الفن. وهو ما فصّلا القول فيه، في القسم الأخير من الكتاب.

طلائعية القرن العشرين أحدثت انفصالا بين الآثار الفنية والزوار
طلائعية القرن العشرين أحدثت انفصالا بين الآثار الفنية والزوار

هذا النوع من اللقاء، أو التواصل، يسمح ببلورة شيء ما في ذاتيّتنا، انطلاقا من أن كل واحد منا عاش تجربة الالتقاء بعمل فني غيّر طريقة حسّه وإدراكه وتصوّره وفعله. وهذا ما يطلق عليه الكاتبان السلطة التأثيرية التي تملك القدرة على تكييف كياننا وعلاقتنا بالعالم بصفة دائمة.

ولكن لكي يتم هذا النوع من اللقاء، ينبغي أن يشتمل الأثر على شيء يشدّ ويهزّ ويخلق توترا بين فرادة العمل الفني وبين ما لم يستقر بعد داخل الفرد، كما في العلاقات الغرامية، حيث لا يدرك الفرد معنى الحبّ إلّا عند لقاء الحبيب، فاللقاء هنا يفتح أبعاد الكائن وسبل الفعل، ويسمح بتجاوز عقبة التلقي الهاضم وانعدام اللقاء.

بقي أن نقول، لئن اعترف الكاتبان منذ البداية بصعوبة الحديث عن الفن المعاصر نظرا لتعدّد فروعه وتنوّع منطلقاته، واختارا معالجة القضية من زاوية الجمهور المتلقي، فإن ذلك لم يمنعهما من الوقوع في التعميم، كالتركيز على تجارب معينة لا تمثل الفن المعاصر برمّته، ولا يمكن بالتالي اتخاذها ذريعة لإلغاء تجارب أخرى مميزة، لم ترفض التواصل مع الجمهور.

17