الفن المعاصر يحتاج دائما لمن يدافع عنه

لا جرم أن يحفل التعبير الفني العربي المعاصر بتقاطعات شتى، تخلق سلسلة من المجاورات بين تجارب متباعدة.
الأربعاء 2019/10/30
الفن المعاصر له وسطاء كثيرون (لوحة للفنان ضياء العزاوي)

ينطلق الفن المعاصر في السياق العربي من قاعدة فكرية تراهن على توزع حقل القيم وتشظيها في تعامل الجمهور مع العمل الفني، فمن جهة ثمة رهان على العمل ذي العمق المفهومي والرمزي، المنبني أساسا على سنن حجاجي، رافض ومُفكِّك، ومن ثم قد يبدو منفرا وعدوانيا تجاه العالم، انتقاديا للحاضنة الثقافية التي تبلورت فيها صيغه ومقولاته ورهاناته، في مقابل وضع مستقر لسياق التلقي يقسم المشاهدين بين من لهم إيمان بجدوى الرسالة الاحتجاجية للفن ونزوعه التمردي، المتصل بغرابته وخروجه عن مضمار القيمة المأثورة، وبين الجمهور الواسع ممن لا يستسيغ التسليم بوجود أي قيمة في الاختراقات الأسلوبية للفن المفهومي، والمأخوذ بالمعايير التقليدية للتحفة.

المحصلة أن الدخول إلى عوالم التفسير والتبيين والدفاع يقتضي إيمانا بصيغة تشكيلية معينة، وكفرا بصيغ عدة داخل أساليب الفن المعاصر، في مظاهره العربية المتباينة، لعل من أهمها تمرد التعبير الفني عن قاعدة التمثيل الأخاذ إلى التشكيل الصادم، ومن التناسب إلى التنابذ، والوجود في وضع يتخطى التخييل الصوري لعدد من العواطف والأفكار إلى صياغة مجازية لا تخلو من موقف عقائدي، والتنقل الدائم بين الإيمان بالمنطلق الجغرافي وباللغة والمعتقد الخاصين، إلى اعتبارهما تفصيلا ضمن مجال إنساني واسع يتبادل التأثير والصور المعبرة عن المحن والمآلات والاختلالات المشتركة.

لا جرم إذن أن يحفل التعبير الفني العربي المعاصر بتقاطعات شتى، تخلق سلسلة من المجاورات بين تجارب متباعدة من الخليج إلى المحيط حيث يمكن أن نضع منير الفاطمي بجوار منى حاطوم بجوار شيرين نشأت وقادر عطية وصفاء الرواص وسمر دياب وآخرين.

بناء على ذلك الافتراض تتجلى صناعة اسم واقتراح رؤية في هذا الحقل المخصوص من جماليات التعبير البصري العربي، خارج قدرات الفنان نفسه، ثمة مئات الآلاف من الاقتراحات الفنية المبنية على مفاهيم احتجاجية ومناهضة لعالم اليوم، وما تواترت عبر أصقاعه من معتقدات ورؤى بصدد الحروب والصراعات الناشئة عن اختلافات الهوية والدين ومنسوب الثروة، ومن ثم بالنظر إلى مقولات “السلطة” و”السوق” والقمع المجتمعي للحرية الفردية وللجسد، وما لانهاية له من الموضوعات، حيث نجد تعبيرات عديدة عنها لا تلقى القبول بل تعتبر مجرد هذيان تشكيلي، كما قد تعبر عن اختراقات تمثيلية في سياقات مغايرة.

والشيء الأكيد أن الأمر يعود في مضمره إلى ثوابت ثقافة ورؤية مجتمع فني ضيق وانحيازات معارض، ورهانات قيمين فنيين، وتأويلات نقاد وخبراء فن، ونخبة تنفق بعضا من رصيدها المالي في إنشاء إقامات وشراء أعمال فنية. وفي تعبير للباحثة الفرنسية ناتالي اينيك ضمن كتابها عن سوسيولوجيا الفن ترى أنه “لا يجد أي نتاج فني مكانا له إلا بفضل شبكة من الأشخاص المتعاونين على ذلك، من التجار المفاوضين وعشاق الفن والنقاد، والخبراء ومنظمي المعارض والصالات التي تبيعه بالمزاد العلني وخبراء الصيانة، ومؤرخي الفن… فلولا هؤلاء جميعا لما وجد النتاج الفني” ومن ثم لما وجد شيء يمكن أن يبرر استمرار نزوع تجريدي مناهض وتمردي وغير مستسلم لنهم السوق للأساليب المستقرة، شيء مختلف عن الحقل الأدبي الذي لا يحتاج إلى هذا الكم من الوسطاء المتعاونين.

إنها الصعوبة التي جعلت عددا لا حصر له من الفنانين العرب الشباب يتطلعون باستمرار إلى عرض تجاربهم ضمن بلدان أوروبية وأميركية، وذلك بالنظر إلى قدرة هذه البلدان على اقتراح أعمالهم ومنجزاتهم الفنية على مجتمع الفن، وذلك بالنظر إلى كم الوسطاء الراسخين في مهن العرض والاختيار والتسويق والترويج الإعلامي وإقناع الجمهور بقيمة تلك الأعمال، التي تبقى محتاجة دوما لمن يدافع عنها، هي تحديدا دون أخرى، والانتصار لها في مواجهة أعمال مختلفة، وافتراض قيمة لها تؤهلها لأن تكون في مصاف “المنجزات”، وحين أستعمل في هذا السياق مفردات “الدفاع” و”الاختيار” و”الترويج” و”افتراض القيمة” فلأن عددا كبيرا من الأعمال التي تنتمي لراهن الفن العربي المعاصر، تبدو نابعة من نوازع وصيغ وقوالب متماثلة في التعبير عن الصدمة والرفض، وتشابهها الرمزي والتخييلي يضعها دوما في دائرة الشك، وعدم التسليم بالجدوى، فنادرة هي الأعمال القادرة على اختراق التخمة الرمزية والمفهومية، معطى يجعل كل تلك المفردات وما يتصل بها في معجم الوساطة أساسية في التداول.

والشيء الأكيد أن الوساطة التي قد تبدأ باقتناع المؤسسات الداعمة وأروقة العرض، ولا تنتهي بالصحافة والنقد الفني، لا تزال ضامرة في السياق العربي، إن لم تكن منعدمة في بعض البلدان، ومن ثم فإن مبررات “اللجوء الفني” هي وليدة هذه القناعة التي ترى أن الفنان العربي المعاصر لا يمكن أن يتحقق (ولا أن يعيش بعد ذلك) دون البحث عن “مناصرين” و”متبنين” و”مراهنين” على قيمته الافتراضية، وهي من الندرة بحيث تجعل الهجرة مرادفة للإنجاز، مع ما يرافقها من سعي دؤوب من قبل الجيل الجديد، إلى اكتساب مهارات لغوية وتواصلية وثقافية تيسر مهمة إقناعه لمؤسسات الوساطة الغربية.

14