الفن المعماري الإسلامي: أسواق وخانات وأقواس

الأحد 2013/10/20
كتاب يرصد زهو الحضارة والعمران مشرقا ومغربا

الدارس لتاريخ الحضارات الإنسانية لا بد أن يكتشف حالة التفاعل والتمازج القائمة فيما بينها والتي تغتني وتتطور من خلال ما تضيفه الحضارة اللاحقة للحضارة السابقة، ولهذا فإن قدرة الحضارة التالية على تمثل المنجزالحضاري السابق وتحقيق حالة من الحوار والتفاعل الخلاق بين المكونات الحضارية المختلفة يشكل واقعا جديدا من الإبداع والتنوع والاغتناء. والحضارة الإسلامية التي كانت واحدة من أهم الحضارات الإنسانية، والتي امتدت على رقعة جغرافية واسعة من العالم، استطاعت إلى جانب الاستفادة من المنجز المعماري والفني من حضارات البلاد التي سادت فيها، أن تنهض بالتطور المعماري وفنونه بصورة كبيرة وواسعة تدل على عظمة تلك الحضارة.

النهضة المعمارية التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية مثّلت مجال استقطاب لاهتمام الباحثين والدارسين العرب والأجانب، الذين راحوا يستقصون جماليات وأسرار تلك النهضة وفنونها، التي ما تزال أوابدها الأثرية، تروي سيرة تلك الحضارة، وثراءها وعبقريتها. ويعدّ كتاب "الفن والعمارة الإسلامية" الصادر عن دار الكتب الوطنية- أبو ظبي 2012، لمؤلفيْه شيلا بلير وجوناثان بلوم واحدا من تلك المؤلفات الهامة التي تعنى بدراسة فنون العمارة الإسلامية على امتداد جغرافيات البلاد التي حكمتها من المحيط الأطلسي وحتى السهوب الآسيو أوربية، وتحاول أن تقدم تعريفا وافيا بتاريخها ومنجزاتها والعلامات المميزة لجغرافيات توزعها.

اللون والفكرة

يركز الباحثان في الجزء الأول من الكتاب على الدور الذي لعبته إيران وبلاد الإسلام الشرقية في العصور الإسلامية المبكرة، في فن العمارة الإسلامي، على الرغم من الآثار التي خلفتها غزوات المغول للمنطقة، والتي جعلت إيران من جهة أخرى تتصدر المشهد الثقافي والإبداعي في العالم الإسلامي، ما جعل النماذج الإيرانية تتحول إلى مرجع أساس لكل الفنون البصرية حتى عام 1250. أما على الصعيد المعماري، فإن التصميم الإيراني الرباعي للإيوانات المطلة على فناء مفتوح، قد أصبح منتشرا في أغلب البلاد الإسلامية. عمد الباحثان إلى تقسيم حقب تاريخ العمارة جغرافيا بحسب أقاليم الفن الإسلامي، وهي إيران وآسيا المركزية، سوريا ومصر، وشمال إفريقيا. إن الملاحظة الأولى التي يسجلانها حول الفن الإسلامي هي الاستخدام الغزير للألوان، في الكسوات اللامعة حول البناء أو في الحفر والترصيع أو المشغولات المعدنية، بينما تتميز الفنون المتأخرة بتبادل الأفكار والأشكال والتصاميم بين الفنون المختلفة، ومنها فنون العمارة، التي تميزت في كل حقبة بسمات مميزة وخاصة، كما كان الحال في العصر العباسي الذي انتشرت فيه الأساليب الزخرفية المتمثلة في قصور سامراء التي ظهرت في القرن التاسع، وانتشرت في مدن أخرى كالقاهرة وبلخ، ورغم ذلك كان هناك تشابه في المبادئ التنظيمية والمواد الأولية المستخدمة مع الأساليب المعمارية، ولكن مع ندرة في تكرار الموتيفات. يقسم الباحثان تاريخ الفن في إيران وآسيا الوسطى إلى مراحل ترتبط بتاريخ الأسر الحاكمة في تلك البلاد، وفي مقدمتهم أسرة الإلخانيين التي بنت جوامع تتألف من إيوانين أو أربعة إيوانات بقيت منتشرة لمدة عقود طويلة في إيران. أما العمارة التي سادت في المرحلة التالية فتمثلت في الاهتمام ببناء الخانات، حيث كان المهندس المعماري في تلك الفترة مولعا بالتجريب وفي ابتكار طرق جديدة لكسر الحنيات الجانبية وتوسيع منطقة العبور، لكنه بعد الغزو المغولي ظهر الاهتمام بتسقيف الفضاءات المستطيلة، ومن أجل تخفيف العتمة المترتبة الناجمة عن ذلك، لجأوا إلى استخدام سلسلة أقواس متقاطعة.

موتيفات جديدة

لم تكن النماذج الزخرفية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر متنوعة الأساليب كما كانت سابقا، فقد تميزت بكثافة المعجون الأبيض الذي يخلط التفاصيل مع بعضها بعضا، كما تمَّ استبدال تقنية الزخرف المزجج باهظة الثمن بتقنية الطلاء التحتي المزجج والأرخص من حيث الكلفة، وقد ترتب على هذا التحول في التقنيات المستخدمة استخدام طلاء أقل مهارة وأكثر نمطية، إضافة إلى أن التصاميم أصبحت أقل تفصيلا والرسومات أقل إتقانا بالرغم من إدخال الرسم الصيني وموتيفاته في تلك التصاميم. وقد ظهرت الطريقة الإيرانية في استخدام الأزرق الغامق في طلاء الأواني والآجرّ وتذهيبهما وطلائهما بطبقة المينا. أما بالنسبة إلى فن الكتابة فقد ظهرت المخطوطات المصورة والمزينة على امتداد قرون في العالم الإسلامي، حيث بلغ درجة كبيرة من التقدم والفن والازدهار لاسيما بعد الحملات المغولية على إيران، في حين أن تجليد المخطوطات كان في بداية عهده، ويعد جمال الدين بن عبدالله الموصلي أشهر الخطاطين في القرن الثالث عشر، وكانت أعماله نادرة وتحظى بإعجاب فائق، وقد تتلمذ على يديه ستة خطاطين تتلمذ على أيديهم أشهر خطاطي العالم الإسلامي، الذين استخدموا الكتابات الزخرفية على وسائط مختلفة. لقد استغرق إنجاز المصاحف المخطوطة في تلك الفترة سنوات طويلة جعلتها تظهر بالغة الروعة، حيث استخدم فيها إلى جانب خط الثلث المذهب التزيين الذي استخدم فيه طيف واسع من الألوان. ويذكر الباحثان أن بغداد عرفت تزيين المخطوطات قبل الغزو المغولي لها، كما كان الحال في مخطوطات إخوان الصفا، إذ تميز التصوير في تلك المرحلة بالحفاظ على الإرث التقليدي ثم انتقل من هناك إلى إيران في نهاية القرن الثالث عشر، حيث ظهر في هذه المخطوطات المزج بين وسائل التصوير التقليدية والمستحدثة، كما هو الحال في مخطوطة البيروني "الآثار الباقية".

يتابع الباحثان الرصد التاريخي لفنون العمارة في العهود التالية مشفوعة بالرسوم والصور الدالة على طبيعة هذا الفن ونماذجه المختلفة، سواء فيما يتعلق ببناء المساجد أو الأضرحة والمدارس الدينية، أو فنون الخزف وتزيين المخطوطات. وينتقل البحث في الفصل التالي إلى دراسة فن العمارة في مصر في عهد المماليك البحرية والتي جرى فيها ترميم أعداد هائلة من الأبنية في فلسطين وسوريا ومصر. ومما يلاحظانه بداية هو تميز عمارة المسجد المملوكي من حيث المنارة المنفردة والمشيدة على البوابة الرئيسية المقابلة للمحراب والقبة الضخمة التي تغطي البائكات التسع الواقعة أمام المحراب، والتي تفضي إلى الفناء. ويرد الباحثان بناء المنارة على هذا الشكل إلى العصر العباسي في القرن التاسع، بينما استفاد المماليك في بناءالقبة الضخمة من الغنائم التي كسبوها من قلعة الصليبيين في يافا.

العمارة المملوكية

بعد الشرح التفصيلي لفن العمارة في عهد المماليك الأول لاسيما بناء المساجد والأضرحة الخاصة بملوكهم والمزارات والقصور الفخمة، ينتقل الباحثان لدراسة فن العمارة في عهد المماليك الشركس الذين كان المعمار الخاص ببناء الأضرحة هو الأشهر لديهم، إضافة إلى بناء الأسواق والخانات إثر عهود الفوضى التي شهدتها سوريا. أما في مصر فقد جرى بناء مناطق سكنية تضم مخابز وحمامات وطواحين وخانات ومجمعا تسويقيا وكان لهذا التوسع أثره في تشييد عمارة متسقة منعزلة. لقد تأثر المعمار في تلك الحقبة بالاضطرابات السياسية وكان في أغلبه معمارا دينيا استطاع أن يصمد مع الزمن في حين لم يبق من قصور المماليك شيء يذكر. ويصف الباحثان العمارة في مصر بأنها كانت سكنية شيدت فوق مؤسسات تجارية وكانت تتألف من طابقين خصص الطابق العلوي منها للنوم . ويتحدث الباحثان في النهاية عن الفنون في مصر وسوريا في عهد المماليك ويفردان لها فصلا خاصا، يظهر فيه تسيّد فن العمارة على الفنون الأخرى إلى جانب الشمعدانات التي ظهرت في مرحلة مبكرة من تاريخهم واحتلت مكانة مهمة في دواوينهم، إلى جانب المشغولات اليدوية والقطع المخصصة للاحتفالات والمراسيم الملكية والأبواب الفاخرة ومشبكات النوافذ والصناديق الخاصة بحفظ أجزاء المصحف والمنتوجات الزجاجية، والنسيجية، في حين حافظت المخطوطات القرآنية على موقعها الريادي بين تلك الفنون.

13