"الفن الهابط": دوران في حلقة الوعي الزائف وهوس البهرجة

الاثنين 2014/06/30
غلو في البهرجة ومبالغة في الميوعة العاطفية

لندن- يعرف المتلقي العادي على الأقل أن مصطلح “الفن الراقي” يمتلك أغلب شروط النجاح الفني، كما يدرك أيضا أن “الفن الهابط” يفتقر إلى عناصر الإبداع والأصالة والذوق الرفيع، لكنه يجهل بالتأكيد المسافة الفاصلة بين الاثنين.

بغية تحليل مفهوم “الفن الهابط” والوقوف على أبرز معطياته الفنية والفكرية التي يتمترس خلفها سدنة الفن الهابط وممثلوه، لا بدّ لنا أن نقدّم تعريفا شاملا يغطي هذا المفهوم الذي يراه بعض الفنانين حركة فلسفية، وليس حركة فنية، بينما يراه البعض الآخر حركة فنية بامتياز، لها رموزها وأقطابها وثيماتها العديدة، حتى وإن كانت تستمد نسغها من التقليد والاستنساخ وإعادة إنتاج ما سبق إنتاجه.

ربما يكون تعريف “قاموس أكسفورد” هو أشمل تعريف للفن الهابط الذي وصفه بأنه “موضوعات فنية أو تصاميم تعتبر فقيرة في ذائقتها بسبب غلوّها في البهرجة، ومبالغتها في الميوعة العاطفية، لكنها تُستذوَق أحيانا بطريقة ساخرة”.

لا تشذ بقية القواميس عن التعريف أعلاه حتى وإن تطرقت إلى الابتذال، والبدائية، والفظاظة، والذوق السقيم وما إلى ذلك من صفات سلبية تتصف بها الأعمال الفنية الهابطة، إضافة إلى عنصري الغلو والمبالغة وما يقترنان به من بذاءة في غالب الأحيان.

لا بدّ من الإشارة إلى العناصر الرئيسية التي يتسم بها الفن الهابط وأبرزها الاستنساخ للأعمال الكلاسيكية الراسخة في أذهان المتلقين. وعلى الرغم من أن غالبية متلقي الأعمال الهابطة لا يعرفون مثل هذه الأعمال أو لم يتمثلوها جيدا في أفضل الأحوال، إلاّ أنها تُوحي لهم بأنها نتاجات قديمة ومستقرة في الوعي الجمعي للمتخصصين في الفن التشكيلي.

كما أن الميزة الثانية لهذه الأعمال أنها مستهلكة على نطاق جماهيري واسع، وربما يكون رخص أثمانها هو السبب الرئيسيّ الذي يشجّع على اقتنائها وتعليقها على جدران بيوت الناس الفقراء.

يبدو أن مصطلح “الفن الهابط” قد شاع في ثلاثينات القرن الماضي، حيث روّج له ثلاثة منظّرين وهم الفيلسوف الألماني ثيودور أودورنو، والكاتب النمساوي هيرمان بروخ والكاتب الأميركي كليمنت غرينبيرغ الذين سعوا جميعا إلى تعريف الفن الطليعي كنقيض للفن الهابط، الذي يرونه ثلاثتهم أنموذجا للفن الزائف، الأمر الذي يضعنا أمام التصنيفات الثلاثة للوعي وهي الوعي الخلاق، والوعي السائد، والوعي الزائف.

فإذا كان الفنانون الكبار أمثال ليوناردو دافنشي، مايكل أنجلو، بوتشيللي، رافائيل، بيكاسو، موندريان، دالي، أنطونيو تابيس، فان كوخ وغيرهم ينتمون للوعي الخلاق الذي يقوم على ابتكارات جديدة غير مسبوقة في الرؤية الفكرية والتقنيات الجديدة، فإن هناك العديد من الفنانين ينتمون للوعي السائد الذي لا يقدّم ولا يؤخر لأن يدوروا في حلقة مفرغة لا جديد فيها.

كما أنها موجودة في كل الصحف والمجلات والمعارض الشخصية والمشتركة، وكأنّ المتلقي يعيد النظر إلى لوحات سبق أن رآها في صحف أو مجلات أو معارض سابقة. أما الفن الهابط الذي يعتبر أنموذجا ليس فقط للفن المستنسخ، وإنما للفن المبهرج الذي لا جديد فيه على أصعدة الأشكال والمضامين وما يحتاجان إليه من تقنيات إبداعية جديدة، فهو ينتمي إلى الوعي الزائف.

إن أول من وضع أسس فلسفة الفن الهابط أو الـ”Kitsch” هو الفنان النرويجي الموهوب أوود نيردرم وسعى إلى إشاعتها بين تلامذته قبل أن تتوسع لتشمل العديد من رسامي الفن الهابط، الذين رسخوا هذه الفلسفة أو الحركة الفنية التي تجد ضالتها في تقليد الأقدمين، بينما يذهب هيرمان بروخ أبعد من ذلك حينما يقول إن الفن الهابط يعتمد على سرقة العمل الإبداعي من خلال تبنّيه للأشكال القديمة أو السعي المحموم إلى تقليدها، أي أن ملاحظته النقدية تكاد تركّز على الماضي فقط دون الانتباه إلى أهمية الحاضر أو المستقبل.

إذن، يمكننا القول بأن الفنان الهابط هو نفّاج بامتياز، أي هو المقلِّد لمن يعتبرهم أرقى منه بكثير ولا يجد بُدّا من الاقتداء بهم في كل شيء، الأمر الذي يؤكد قصوره الإبداعي أو تخلّيه عن فكرة الإبداع تماما، طالما أنه يجد نفسه قاصرا عن الإبداع، ومُوكلا هذه المهمة إلى أناس آخرين اجترحوا أعمالا فنية من عندهم، ولم يتكئوا على غيرهم من الأسبقين الذين قدموا خلاصة تجاربهم الفردية أو الفردانية إن صحّ التعبير، على اعتبار أن جميع القيم والحقوق والواجبات ينبغي أن تنبثق من الأفراد.

لقد اعتبر بعض النقاد الفنيين لوحة “الفتاة الصينية” لفلاديمير تريتشنكوف أنموذجا للفن الهابط، لكن هذه اللوحة انتشرت بين الناس مثل انتشار النار في الهشيم في خمسينات القرن الماضي، حيث بيعت منها ملايين النسخ.

وتكمن أهمية هذه اللوحة في الشكل غير الطبيعي لبشرة الموديل التي تجمع بين اللونين الأزرق والأخضر، ومن هنا جاءت تسمية اللوحة بـ”السيدة الخضراء” التي يرى فيها كثير من المتلقين لمسة فنية تبعث على الدهشة والغموض المستحب.

كما اعتبر البعض الآخر من النقاد أن لوحة “مونا بسمارك” تنتمي إلى الفن الهابط أيضا، الأمر الذي يوصلنا في خاتمة المطاف إلى الاعتماد على الفطرة الأولى وتنحية الاحتكام إلى الحواس والخبرات العملية المتراكمة.

16