الفن ضرورة أخلاقية

الثلاثاء 2015/09/29

هل يمكن الحديث عن الفن بمعزل عن الحديث عن الأخلاق؟ هل الأخلاق تكبل الفن ويمكن أن تجعله ملحقا بالمؤسسات الأخلاقية كالمؤسسات الدينية وما شابه؟ هل الفن نشاط إنساني يمكن أن يعزل عن الإنسان؟ هل ممكن للفن أحيانا أن يقود مجتمعا ما إلى الهاوية؟ هل على الفن أن يلتحق بالواقع ويقلده ويطلب مرضاته، أم على الواقع أن يرتقي بالفن ويتعلم منه؟ هل ينفصل الإبداع عن الحرية؟ هل ينفصل الفن عن الأخلاق؟ لكن، ما هي الأخلاق؟

بغض النظر عن الدخول في مضمار أخذ من الفلاسفة ما أخذ، وكتبت حوله قافلة كبيرة من المفكرين في مشارق الأرض ومغاربها، ألا وهو الموضوع الأخلاقي، هذا المضمار الذي كان الدين في حدّ ذاته أحد الأجوبة الكبرى عليه، سواء ما كان منه “سماويا” أو “وضعيا”، أقول بغض النظر عن هذا السؤال الأزلي والأبدي، الذي يجعل من الأخلاق سؤالا مفتوحا، لا سيما وقد أصبح للأخلاق علما قائما بحدّ ذاته يدرّس في المدارس والجامعات. فما يعنينا هو علاقة الفن بالأخلاق وليس دراسة تاريخ الأخلاق وما كتبه الفلاسفة حول ذلك.

رغم كل نقاط الاختلاف التي من الممكن أن تنشأ حول قضية جدلية مثل القضية الأخلاقية، ولا سيما أن قيم الأخلاق بحدّ ذاتها متغيرة، تتغير من مجتمع إلى آخر تبعا للثقافة والعادات والتقاليد، التي هي بدورها أيضا تتغير من زمن إلى آخر ومن حقبة إلى أخرى، فما كان من المحرمات منذ قرن مثلا، أصبح اليوم موضوعا للسخرية، وما كان يحدث من ممارسات “مقدسة” منذ ألف عام مثلا، أصبح اليوم نوعا من الأساطير، وما نعيشه الآن من الكثير من عاداتنا الأخلاقية، فمن المؤكد أن كثيرا منها في طريقه إلى التغيّر أو الزوال.

الفن أحد أهم أوجه النشاط البشري، ردّا على السؤال المطروح منذ بدء الخليقة، وهو أحد الاقتراحات الإنسانية، ضد غموض الكون وجبروته، وضد الموت والفناء، هو وهم القوة ربما أو هو القوة التي اقترحها الضعف أو العجز البشري، أمام هشاشة الوضع الإنساني، وهشاشة الوجود البشري بحدّ ذاته، وفي أحد أوجهه أيضا، هو مضاهاة للطبيعة في الخلق والتحدّي، وتعبير عن رغبة الإنسان الأزلية في الخلود.

إذن الفن هو ما كان وما يفترض أن يكون صرخة الإنسان القديمة والمتجددة، من أجل الحرية، ومواجهة مفتوحة عبر اللون أو الكلمة أو اللحن أو أدوات النحت المتعددة، ومختلف أنواع الفنون، هو الكتابة بأبعادها الكاملة، سواء عبر الموسيقى أو التصوير أو التمثيل أو الرقص أو الشعر، ضد كل ما يحول بين الإنسان وحريته، وضد كل ما يحول بين الإنسان وحقه المشروع في التحرر والمعرفة.

بالتأكيد ليس مطلوبا من الفن أن يكون درسا في الأخلاق، أو محاضرة في الوعظ والنصح الأخلاقي، وليس المطلوب من الفنان أن يكون قديسا لكي يصنع فنا جميلا، لكن الفن العظيم حقا لا يمكنه ولا بأي شكل من الأشكال أن ينفصل عن قضية الإنسان، ولا سيما في خضم صراعه المرير، من أجل حقه الطبيعي في الحياة والكرامة الإنسانية والحياة الآمنة والعادلة، وذلك حسب اعتقادي إحدى البديهيات الأخلاقية، التي لا يمكن أن تكون أبدا مثارا للجدل أو موضوعا للاختلاف.

شاعر وكاتب من سوريا

14