الفن في الورشة

المخرجون الشباب في العالم العربي، الذين هم في استسهال يؤدي عادة إلى نتائج سلبية، يغفلون أهمية القبض أولا على العمود الفقري للدراما السينمائية وفهم طريقة بناء السيناريو التقليدي الذي يروي قصة.
الأربعاء 2018/11/28
كتابة الرواية ترتبط أولا وأخيرا بالموهبة والخيال (لوحة: دنيو أحمد علي)

كنت أرى دائما أن كتابة الرواية ترتبط أولا وأخيرا بالموهبة والخيال والقدرة على التعبير عن هذا الخيال باستخدام لغة الأدب، فالنص الأدبي صور يتم التعبير عنها بواسطة الحروف والكلمات والجمل والفقرات، إلاّ أن الموهبة لا بد أن تكون أولا متوفرة قبل أن يبدأ الكاتب في الكتابة، أما اللغة فيمكن تعلمها، بل وإجادتها أيضا إذا بذل من يرغب في أن يكون كاتبا، جهدا خاصا في تعلمها وتجويدها.

وكنت دائما بالتالي أتصور أنه ليس من الممكن تعليم أحد كيف يكتب الرواية، لكن ظهر خلال السنوات الأخيرة، من يزعمون أن بوسعهم تعليم الكتاب الشباب كتابة الرواية من خلال ما يطلقون عليه “ورشة الرواية”، وربما يكون المقصود تعليم الشباب بعض الوسائل والطرائق الفنية في تجويد الرؤية أو الصور الخيالية التي تتوفر لدى الكاتب من البداية، وهو ما يدخل في إطار ما يعرف بـ”الكتابة الإبداعية” عموما، وهو علم له أصوله يتم تدريسه في الجامعات الغربية.

لكنه لا يصل إلى حد تلقين الطلاب كيفية هندسة الرواية وتقسيمها إلى شخصيات ومواقف وعلاقات متشابكة وجعلها رواية متماسكة، فليست هناك “وصفة” جاهزة لأن يصبح كل من يرغب، كاتبا روائيا.

أما بالنسبة لكتابة السيناريو السينمائي فتوجد ورشات كثيرة لتعليم حرفية كتابة السيناريو يتم فيها تدريب الشباب بالرجوع إلى مبادئ وأسس كتابة السيناريو للفيلم السينمائي بأنواعه المختلفة، لكن ليس شرطا أن يغلق الكاتب نفسه على نوع محدد من أنواع الأفلام التي تخضع للتصنيف الأميركي (الحرب، التاريخي، الدرامي، الرعب.. إلخ)، بل يمكن بالطبع المزج بين نوعين أو أكثر، أو كتابة فيلم (خارج الأنواع) يعتمد على الرؤية الفنية الحرة التي تشيع فيها التداعيات الذهنية والبصرية، لكن لكي يكون بوسع الكاتب تجاوز قواعد الكتابة الدرامية التقليدية يجب أن يكون قد ألم بها أولا.

أصبحت طريقة الكتابة بنظام الورشة مسألة شائعة، خاصة بالنسبة لمسلسلات التلفزيون لسبب أساسي هو المقابل المادي الجيد

وهذه تحديدا هي المشكلة التي يعاني منها المخرجون الشباب في العالم العربي، الذين هم في استسهال يؤدي عادة إلى نتائج سلبية، فهم يغفلون أهمية القبض أولا على العمود الفقري للدراما السينمائية وفهم طريقة بناء السيناريو التقليدي الذي يروي قصة، ولا شك أن رواية قصة بشكل جيد، أفضل من كتابة سيناريو “طليعي” يتوه في التفاصيل الكثيرة وينتهي دون أن يترك تأثيرا على المتفرج.

يمكن أيضا أن تكون ورشة السيناريو ورشة عمل “احترافي” تتيح لمجموعة من الكتاب الاشتراك في كتابة عمل سينمائي واحد (أو مسلسل تلفزيوني)، وهذا النوع من “الورشة” هو الذي انتشر كثيرا بعد أن كان يمارس في الماضي سرا.

وهناك الكثير من كبار كتاب السيناريو الذين عرفتهم السينما المصرية، من خرجت سيناريوهات أفلامهم من “الورشة”، أي لجهد مجموعة من الكتاب الشباب المجهولين، الذين كان يكلف كل منهم بكتابة بعض المشاهد أو إعادة صياغتها ثم يتم جمعها مع غيرها وتطويرها قليلا ثم يضع الكاتب اسمه عليها في النهاية، أما الذين كتبوا وابتكروا فيحصل كل منهم على حفنة من الجنيهات ثم يمضي لحال سبيله.

ومنهم أيضا من كان يتمرد على هذا الدور، ويسعى لكي يصبح كاتبا مستقلا للسيناريو خارج “الورشة” وينجح في الوصول بنصوصه السينمائية إلى المنتج الذي يقتنع بإنتاجها، ومن هؤلاء أيضا عرفنا عددا لا بأس به من الكتاب الذين انسلخوا عن “الورشة” واستقلوا وأصبحوا فيما بعد كتابا مرموقين توضع أسماؤهم على الأفلام.

وكان يبرز هنا تساؤل أخلاقي عن نسبة السيناريو الذي شارك في كتابته وتطويره عدد من الكتاب، إلى شخص واحد يملك المال؟

اليوم أصبحت طريقة الكتابة بنظام الورشة مسألة شائعة، خاصة بالنسبة لمسلسلات التلفزيون لسبب أساسي هو المقابل المادي الجيد، كما أن أسماء الكتاب المشاركين توضع على الشاشة، لكن السؤال الأكثر تعقيدا هنا يصبح: وإلى من يجب أن ننسب العمل في نهاية الأمر؟ أليس الإبداع السينمائي إبداعا فرديا؟

16