الفن في خدمة السياسة منذ هتلر إلى اليوم

السياسيون تنبهوا لأهمية السينما وعملوا على إنجاز أفلام دعائية للترويج السياسي.
الأحد 2020/11/15
شارلي شابلن سخر من النازية

الفن المسيّس مصطلح خطر، يحاول معظم المبدعين الابتعاد عنه، لأنهم يعتبرونه فخا فكريا سيؤدي إلى تأطيرهم بمسارات فكرية محددة، تجمد رؤاهم الفنية. بينما يعتبره آخرون نوعا من الالتزام الأخلاقي والفكري الذي يتحصنون به وللسياسة في الفن أشكال وطرق. بعضها يكون مباشرا وبعضها الآخر يكون بالتلميح والإشارة وكثيرا ما فقد مبدعون مكانتهم بين الناس بسبب سقطة سياسية في مؤلف أو فيلم أو أغنية. وهذا ما يبرز علاقة الفن الوثيقة بالسياسة.

“قول الحقيقة سيكون بمثابة تفكيك للنظام الاجتماعي”. هكذا عبّر الناقد والمفكر السلوفيني سلافوي جيجك عن رأيه في موضوعة الحقيقة وكيفية التعاطي معها وقولها، خاصة في الأشكال الأدبية والإبداعية. فقديما قالوا أعذب الشعر أكذبه، وعلى اللسان الدارج يقال “الصراحة جارحة”.

 إبداعيا يقدم الناس ما يريدون ضمن قوالب فنية مختلفة من شعر وأدب وتشكيل وسينما وغيرها من الفنون، وهو معنيون بتقديم فكر ما يقدم للجمهور، فموضوع التسلية وحدها لن تكون قادرة على شد اهتمام شرائح كبيرة من المتابعين، فلا بد من مقولة ما يقدمها المنتج الإبداعي، وهنا تكمن جذور المشكلة. فهذه المقولة قد تكون أحداثا تاريخية أو طبائع بشرية أو سيرا شخصية لناس من المشاهير أو السياسيين.

ثم إن قول حقائق عن تواريخ أو أشخاص قد يثير الكثير من المخاوف والنزاعات. فيلجأ البعض إلى تقديم هذه الحقائق كما هي مهما كانت النتائج، وفريق آخر يرى أن الفن غير معني بما جرى حقيقة بل يقدم رؤية عنه. بينما الفريق الثالث وهو الأخطر فهو الذي يقوم بتزييف هذه الحقائق أو توليفها بشكل محدد بحيث تخدم أفكاره وتحقق طموحاته في مقاومة أفكار مخالفة أو الترويج لأفكار أخرى.

السينما في الواجهة

فيلم "z" قتال ضد الدعاية الأميركية ينتصر للضعفاء
فيلم "z" قتال ضد الدعاية الأميركية ينتصر للضعفاء

على وقع الخلاف في ما يجب على فن السينما أن يقدمه ظهرت تيارات متباينة منها السينما السياسية والأيديولوجية والموجهة والدعائية وغيرها. وتأطرت كل منها بنظريات وقوالب تختلف بها عن الأخرى، وصارت هذه الأشكال السينمائية شعارات فنية كبيرة يحمل لواءها سينمائيون وجهات إنتاجية وأحيانا دول.

ومن ثم بات النزاع الفني بين هذه التيارات ظاهرة فنية وسياسية واضحة، ولم يقف الموضوع في هذا التقسيم عند حد الإنتاجات السينمائية، بل تجاوزه ليكون في تنظيم المهرجانات السينمائية التي تمايزت بدورها إلى ذات التقسيمات الشكلية السابقة.

منذ أن وجد فن السينما في العالم، تنبّه منتجوه إلى أهميته في تكوين صورة محددة تخدم الذهنيات الفكرية التي يتبنونها. فكانت السينما أداة قوية في بناء رؤية سياسية محددة. اعتمدت عليها كل الدول في الترويج لأفكارها. ومنذ أن تنبه السياسيون لأهمية السينما عملوا على إنجاز أفلام دعائية تحقق لهم ما يريدون. والتاريخ سجل أن أول من حقق سينما دعائية في تاريخ السينما كان المخرجة الألمانية ليني ريفنستال.

كانت ريفنستال صديقة شخصية للزعيم النازي أودلف هتلر. ولم تكن من الحزب النازي وكانت تملك قدرا كبيرا من البراغماتية التي دفعتها من خلال قربها من هتلر إلى أن تكون أول من أسس ما اصطلح على تسميته بسينما الدعاية، الذي ولد في ثلاثينات القرن العشرين ونضج تماما أثناء الحرب العالمية الثانية، فكانت تقوم من خلال الأفلام التي تنجزها بتمجيد الأفكار النازية وتوثيق مسيرتها السياسية وبالطبع التركيز على شخصية الزعيم هتلر باعتباره رمز الأمة الألمانية حينها.

منذ أن وجد فن السينما تنبّه منتجوه إلى أهميته في تكوين صورة محددة تخدم الذهنيات الفكرية التي يتبنونها

قدمت المخرجة الألمانية فيلمها الوثائقي الشهير انتصار الإرادة، الذي كلفت به من قبل الحزب النازي. والذي يعتبر فيلما دعائيا تعبويا هاما في تاريخ السينما الألمانية، حيث صورت فيه شخصيات رسمية وعسكرية وهم يستمعون لخطابات هتلر وكذلك صورت جموعا حاشدة لجماهير الحزب وهي تحمل لوحات كبيرة كتبت عليها عبارات التحية للحزب وزعيمه. عن هذا الفيلم كتب جيروم بيمبانات، مؤلف كتاب “ليني ريفنستال: صانعة أفلام هتلر” في الوقت الذي بدأ فيه عرض فيلم “انتصار الإرادة”، تم تقديمه بطريقة مباشرة كفيلم كبير للدعاية.

على الطرف الآخر، كانت السينما الدعائية موجودة لدى الاتحاد السوفييتي الذي قدم من خلال العشرات من الأفلام مقولاته الفكرية المناهضة للنظام الرأسمالي، وكانت تقدم أفلاما دعائية تمجد النهج الاشتراكي السوفييتي، الذي كان كما يفترض يتعامل مع الناس بحكمة ورأفة، وأن المجتمع والدولة يعيشان فيه بأمان وهدوء.

من أهم الأفلام التي أنجزت خلال هذه الفترة الفيلم الشهير “المدرعة بوتمكين” للمخرج الشهير سيرغي إيزنشتين، الذي تحدث فيه عن تمرد عسكري يقوم به بحارة مدمرة بحرية روسية عام 1905 على القيصر معترضين على سوء سبل العيش على المدمرة والقسوة التي يعانون منها. ويصور الفيلم كيف تعاطى رجال القيصر مع هذا التمرد بوحشية حين قتل الكثير من الناس عند مقاومة التمرد.

 شارلي شابلن الفنان السينمائي الأشهر تعاطى بدوره مع سينما الدعاية بالرفض. فقدم فيلما شهيرا حمل اسم الدكتاتور سخر فيه من هتلر. أنتج الفيلم عام 1940 وكان هتلر في أوج قوته، الأمر الذي أدى إلى اتخاذه قرارا بنفسه بعدم عرض الفيلم في ألمانيا.

التجربة الأميركية ورافضوها

السينما الدعائية وسيلة الدول في استمالة عقول الناس
السينما الدعائية وسيلة الدول في استمالة عقول الناس 

كما العادة، لم يفوّت الأميركيون وهم سادة صناعة السينما في العالم فرصة أنها تحمل إمكانية تقديم دعاية سياسية. فاستغلوا السينما في ذلك أكبر وأسوأ استغلال. فكانت السينما بالنسبة إلى السياسة الأميركية صنوا هاما لإدارة الدولة، وما تريد قوله في السياسة تقوله أولا في السينما. فهي تصور من خلال السينما بطولات الجندي الأميركي الخارق وانتصارات جيوشها وبالطبع تأتي على ذكر أعدائها الفكريين والعسكريين بكل نوازع الشر و الجهل، بحيث يظهر أعداؤها في صورة الهمج المتخلفين والمجرمين.

في مرحلة السبعينات وما تلاها، كان الوضع في أفغانستان مضطربا، وكان التدخل السوفييتي في أوجه، وهو ما كانت تعارضه أميركا بشدة، بل تحالفت مع العديد من الدول لتقدم السلاح لبعض رعاياها وتصنع المجاهيدن الذين كانوا يقاتلون السوفييت في أفغانستان. وكانت السينما الأميركية تظهر وحشية الجندي السوفييتي وروح الجهاد المتوقدة عند المسلم المقاتل. وهو الأمر الذي عُكس تماما بعد خروج الجيش السوفييتي وزوال الدولة كلها، ليصبح هؤلاء المجاهدون من وجهة نظر السينما الأميركية لعنة على العالم حيث يقومون بالعمليات الإجرامية والإرهابية في كل العالم خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

يعتبر فيلم “z” الشهير لمخرجه اليوناني كوستا غافراس علامة هامة في تاريخ السينما السياسية العالمية، فهو يتحدث عن الصراع السياسي الذي كان موجودا في حقبة السبعينات داخل أروقة السياسة اليونانية، وكيف كان لأحد النواب تأثير كبير على الناس، وهو يقاوم السلطة الحاكمة المتواطئة مع الأميركيين في الفساد والهيمنة على مقدرات البلاد والقرار السياسي فيها.

ويتابع الفيلم مجريات الأمور، حتى يصل إلى نقطة الصدام بينهما حيث تقرر السلطة مع بعض المتنفذين التخلص من النائب الثائر، ويكون ذلك من خلال قتله في تجمع لأتباعه حيث يفتعلون أحداث شغب في المكان، لكن الأمور تتصاعد عندما لا يقبل المحقق النزيه ولا الصحافي الوطني الاستكانة للمقولة الرسمية بأن الحادث عرضي ويصرون على أنه اغتيال سياسي. الأمر الذي يؤدي بهما إلى مهالك.

الفيلم كان صرخة مدوية في حينه ضد الدعاية السياسية الأميركية التي تتدخل في شؤون العالم فتحرك حكامها على هواها. وهو مأخوذ عن رواية تحمل ذات الاسم للروائي اليوناني فاسيلي فسكيلوس وقد أخرجه اليوناني الشهير كوستا غافراس وشارك ببطولته النجم الفرنسي إيف مونتان وجان لوي ترنيتان والنجمة اليونانية إيرين باباس وقد حقق عالميا حضوريا مدويا خاصة لدى مفكري اليسار العالمي، كما حقق جوائز عالمية هامة منها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي وكذلك أفضل مونتاج وتحصل في مهرجان كان السينمائي الدولي على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وفي مدينة نيويورك حقق جائزة نقاد المدينة، بالتوازي مع العشرات من الجوائز لأبطاله.

ويواجه الفيلم الدعاية الأميركية المهيمنة على الذهنية السياسية التي كانت موجودة في بلاده في حينها، حيث قال مخرجه ذات مرة إنه لم يكن يريد من الفيلم “تصوير مناظر جميلة وحسب، بل كان يهدف إلى إثارة الجدل”. الدعاية التي هدف الفيلم لتحقيقها أن قوى الهيمنة ستنتصر فالحكومة سقطت وشهود القضية انتحروا أما المحقق الشاب فقد استبعد لقضية أخرى وكذلك الصحافي المغامر الذي سجن لحيازته أوراقا فيها حرف Z.

في العام 2014 أنتجت السينما الأميركية الفيلم الشهير الذي حمل عنوان “المقابلة” The interview، الذي سبب مواجهة عنيفة بين صناع الفيلم ودولة كوريا الشمالية، للحد الذي وصل إلى قرصنة الفيلم من قبل جهات كورية غالبا ضد شركة سوني بيكتشرز قبل عرضه.

ومن ثم جاء تصريح وزير خارجية دولة كوريا الشمالية الذي قال “إذا رعت الولايات المتحدة عرض الفيلم فعليها تحمل النتائج. هؤلاء المجرمون الذين أساؤوا لشخصية قائدنا واقترفوا جرائم معادية ضد جمهورية شعبنا سيعاقبون طبقاً للقانون حيثما كانوا على سطح الأرض”.

 كان الفيلم دعائيا بامتياز، فقد تناول بأسلوب ساخر وأحيانا ساذج سيرة الزعيم في كوريا الشمالية ووصفه بكونه دكتاتورا. ويقدم الفيلم في تركيبة غير منسجمة حياة صحافيين يحاولان إجراء حوار مع رئيس كوريا الشمالية، ولكنهما في الحقيقة يندفعان لملذاتهما. أحد الصحافيين يصير صديقا للزعيم ويقضيان معا وقتا مشتركا، ومن خلال حياتهما اليومية يكتشفان حجم الزور الموجود في الدولة. فالبضائع موجودة في كل الأماكن في نفس الوقت الذي يجوع فيه الناس في بيوتهم.

يخطط للمقابلة التي يتحقق منها الزعيم بنفسه، لكن المحاور الإعلامي يغير الأسئلة على الهواء ليسأل الزعيم.. لماذا يجوع شعبك؟ حينها تبدأ المشكلة أمام أعين الناس، وتنفجر ثورة لأن جزءا من الدولة يكون ضد الزعيم وسط تحركات الناس وبكاء الزعيم الذي يواجه مصيرا مؤلما بعد ذلك. يقول الصحافي في النهاية “لقد أشعلنا ثورة”.

حقق الفيلم حين عرضه في دول العالم وبسبب دعايته السياسية حضورا جيدا. وهو من إخراج سيث روغن وإيفان غولدربيرغ وتمثيل كل من روغن وجيمس فرانكو والممثل الأميركي من أصل كوري شمالي راندال بارك.

الدعاية والسينما العربية

السينما بالنسبة إلى السياسة الأميركية صنو هام لإدارة الدولة، وما تريد قوله في السياسة تقوله أولا في السينما
السينما بالنسبة إلى السياسة الأميركية صنو هام لإدارة الدولة، وما تريد قوله في السياسة تقوله أولا في السينما

لم تقترب السينما من السياسة بشكل واضح وثابت عربيا إلا في مصر. البلد الذي ينتج أكثر من كل العالم العربي من السينما، وفي جدلية العلاقة بين السينما والسياسة في مصر جولات عديدة. لعل من أبرزها فيلم “شيء من الخوف”، الذي كتبه صبري عزت عن رواية ثروة أباظة التي تحمل نفس الاسم، وأخرجه حسين كمال وكان من بطولة شادية ومحمود مرسي ويحيى شاهين.

 ظهر الفيلم بعد نكسة يوليو / حزيران عام 1967. حيث كان المثقفون في مصر في أكثر اللحظات حرجا وتوترا من الناحية السياسية والوطنية. وكانت صدمة ونزف النكسة نازفة في القلوب، خاصة مع وجود حملة من الاعتقالات التي طالت رموزا كبيرة حينها.

 وعندما ظهر الفيلم الذي يتحدث عن منطقة في صعيد مصر، وعن قرية تعيش فيها فتاة تدعى فؤادة تهوى شابا اسمه عتريس وهو الهادئ الوديع الذي سرعان ما ينقلب ويصبح شخصا دمويا بعد أن شاهد مقتل جده أمامه، ويصبح ظالما للناس، فتنفر الفتاة منه، وينقلب الحب كرها، لكنه يتزوجها بالإكراه بشهود زور الأمر الذي يدفع شيخ الجامع بأن يصيح مجاهرا بأن زواج عتريس من فؤادة باطل. الصيحة تملأ القرية. وتجعل من عتريس مجنونا يريد البطش بكل من يقول ذلك ولكن أهل القرية يجتمعون ويحرقون بيته وهو فيه.

في تلك الفترة كانت الدعاية السياسية الرسمية في مصر تشحن الجماهير بالأمل لتجاوز مرحلة الهزيمة، وكان لهذا الخط السياسي مناهضوه، وعندما أنجز الفيلم وبات على مشارف العرض الجماهيري توقف، فقد فهم البعض أن في الفيلم دعاية سياسية ضد نظام الدولة، فعتريس هو جمال عبدالناصر وفؤادة هي مصر والدهاشنة هم شعب مصر.

وتوقف عرض الفيلم إلى أن كتب مؤلف الفيلم تعهدا خطيا بأن عتريس هو الاستعمار وأعوانه وليس الرئيس عبدالناصر. وبعد مشاهدة الرئيس عبدالناصر للفيلم سمح بعرضه أخيرا.

15