"الفن في زمن القلق" بين التضليل وخداع المشاعر

معرض بصري يسبر أغوار الحدود الفاصلة بين الواقعي والافتراضي.
الجمعة 2020/07/03
متاهة من الممرات تفضي إلى العديد من التخمينات

تستضيف مؤسسة الشارقة للفنون حاليا معرضا جماعيا تحت عنوان “الفن في زمن القلق”، بمشاركة أكثر من ثلاثين فنانا وفنانة من مختلف أنحاء العالم. وفي هذا المعرض تستكشف الأعمال المشاركة تزايد الاعتماد على الأجهزة والتقنيات الحديثة والشبكات الرقمية، وتأثير كل ذلك على وعينا الجمعي في الوقت الراهن.

يضم معرض “الفن في زمن القلق” المقام حاليا بمؤسسة الشارقة للفنون أكثر من ستين عملا فنيا، تتشارك جميعها في اعتمادها على الممارسات الفنية المعاصرة من منحوتات ومطبوعات وفيديو وأعمال الواقع الافتراضي والروبوتات والبرامج اللوغاريتيمية والأعمال التجهيزية، وغيرها من الممارسات الأخرى التي تتوافق مع طبيعة الفكرة العامة للمعرض.

وتناقش الأعمال من منظور بصري فكرة التدفّق الهائل للمعلومات في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وما يصحب ذلك التدفّق من تضليل وخداع للمشاعر، كما تتطرّق الأعمال أيضا إلى طبيعة العلاقات والممارسات الاجتماعية المرتبطة بهذه التقنيات الجديدة وما يعتريها من أجواء سرية باتت مسيطرة على الحياة الإلكترونية، بل تتجاوزها أحيانا إلى الواقع.

حالة ما بعد الرقمية                                                                     

يقام هذا العرض الجماعي الذي يضم أكثر من ثلاثين فنانا وفنانة من مختلف أنحاء العالم تحت إشراف القيم الفني عمر خُليف مدير المقتنيات في مؤسسة الشارقة للفنون.

ويسلّط المعرض الضوء على “حالة ما بعد الرقمية” والسلوكيات والتصرفات المنتشرة في عالم متحوّل جراء ظهور وتنامي الاعتماد على التقنيات الرقمية من جهة، وإثارة التخمينات تجاه مستقبلنا من جهة أخرى. ويعتمد المعرض في جانب كبير منه على تلك الأبحاث التي أجراها القيم الفني عمر خُليف عبر ما يزيد عن العشر سنوات حول فكرة الرقمنة وتأثيرها على الحياة العامة والعلاقات الاجتماعية الناشئة على أثرها. ويحمل خُليف خبرة واسعة في تنظيم المعارض الدولية التي لها علاقة بفكرة الرقمنة، مثل معرض “نشأت على الإنترنت” في متحف الفن المعاصر في شيكاغو عام 2018، ومعرض “الطريق السريع الإلكتروني” في غاليري وايت تشابل عام 2016 وغيرهما من العروض الجماعية الأخرى التي تتعرّض لفكرة الرقمنة والتأثيرات الاجتماعية الناشئة بسبب الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا.

وقد أصدر خُليف خلال مسيرته الفنية سبعة كتب حول الموضوع نفسه، مثل كتاب “أنت هنا.. الفن بعد الإنترنت” وكتاب “نظرة إلى الفن في العصر الرقمي”.

الأعمال المعروضة بمؤسسة الشارقة للفنون تناقش من منظور بصري فكرة التدفّق الهائل للمعلومات في عصر الإنترنت ومواقع التواصل

تشارك في هذا المعرض نخبة من أبرز الفنانين المعاصرين من دول مختلفة، بينهم لورانس أبوحمدان وهو فنان أردني يقيم حاليا بين لندن وبيروت، ويُعد أحد أبرز الفنانين المعاصرين في توظيف الوسائط الصوتية في أعمالهم الفنية، وهو مهتم على نحو خاص بأزمة الهجرة واللجوء وغيرها من القضايا والأزمات التي تخلّفها الحروب والصراعات حول العالم، مع تسليط الضوء على ضحايا تلك العمليات من الأطفال.

يُذكر أن واحدا من بين أعمال أبوحمدان الفنية استخدم كدليل في إحدى المحاكم البريطانية، ويشار إلى أعماله كذلك من قبل العديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية كأدلة على بعض التجاوزات اللا إنسانية ضد اللاجئين والمهاجرين.

ومن بين المشاركين أيضا الفنان وفاء بلال، وهو فنان عراقي مقيم في الولايات المتحدة من مواليد عام 1966. اشتهر بلال عالميا بأعماله التفاعلية والأدائية عبر الإنترنت التي تثير حوارات حول السياسات الدولية والشخصية. وقد صنفته مجلة “فورين بوليسي” من بين أبرز مئة فنان عالمي، وهو يعمل حاليا في تدريس الفنون في نيويورك. وقد عُرف باستخدام جسده عبر الإنترنت كجزء من أعمال التركيب التفاعلية التي يقدّمها.

مفارقات الحداثة

الأردني لورانس أبوحمدان يسلّط الضوء في أعماله التفاعلية على أزمة الهجرة واللجوء وغيرها من القضايا التي تخلّفها الحروب
الأردني لورانس أبوحمدان يسلّط الضوء في أعماله التفاعلية على أزمة الهجرة واللجوء وغيرها من القضايا التي تخلّفها الحروب

من الفنانين الأجانب يقدّم الأميركي تريفور باجلن عمل فيديو تركيبي أحادي القناة يعرض مشهدا من منظور علوي كدلالة على فكرة المراقبة. إلى جانب الفيديو يضمّ العمل أيضا مجموعة من الصور الفوتوغرافية تحت عنوان “انتزعوا الوجوه من المتهمين والأموات”، بالإضافة إلى استخدامه صورا لشخصيات تاريخية بعد إخضاعها لنظام التعرّف على الوجوه المستخدم في فيسبوك.

كما يقدّم الفنان الكندي جون رافمان عمله تحت عنوان “الأفعى العابرة للأبعاد”، وهو يناقش طبيعة التكنولوجيا وتأثير الواقع الافتراضي على السلوكيات المعاصرة. ويُعرف رافمان تحديدا باستكشافه لمفارقات الحداثة في أعماله النحتية والتركيبية وأعمال الفيديو، وتسلط أعماله عادة الضوء على قدرة أدواتنا التقنية وغيرها من أشكال الوساطة على إبعادنا عن أنفسنا وواقعنا الحقيقي.

ومن بين الأعمال المشاركة في المعرض يحضر عمل تحت عنوان “مدينة آر.أم.بي” للفنانة كاو فاي، وهي فنانة صينية من مواليد عام 1978. تتخيّل الفنانة في عملها مدينة افتراضية مصمّمة في عالم الحياة الموازية الإلكترونية التي تسبر أغوار الحدود الفاصلة بين الوجودين الواقعي والافتراضي.

وتتضمّن الأعمال كذلك نسخة حديثة من عمل الفنان الأميركي سيبرين فيرستيج بعنوان “مواعيد يومية”، وهو عمل أداء أعاد الفنان تخيّله خصيصا من أجل المعرض. وفي هذا العمل تعرض شاشة عملاقة العشرات من العناوين من صحيفة “ذا ناشيونال” الإنجليزية الصادرة في الإمارات لإنتاج لوحات تجريدية وفقا لمحتواها.

كما تعرض الفنانة جينا سوتيلا فيلما تحت عنوان “بيميا سيتي” والذي يستعرض الوعي والشبكات العصبية عبر تخيّل لغة فضائية غير معروفة. وتعرض الفنانة لين هرشمان ليسون فيلمها “مُطارد الظل”، وهو فيلم ملحمي يستعرض بعض المفاهيم المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي مثل سرقة الهوية ومخاطر الاستيلاء على البيانات الشخصية.

وصمّم فضاء العرض لمعرض “الفن في زمن القلق” المهندس المعماري الهولندي تود ريسز، والذي تركّز أعماله غالبا على مدن شبه الجزيرة العربية من منظور تاريخي ومعاصر، وأنجز تصميمه لفضاء العرض بالتعاون مع القيم عمر خُليف على هيئة متاهة من الممرات.

كما تصاحب معرض “الفن في زمن القلق” سلسلة من الفعاليات المختلفة على هيئة حلقات نقاش مصغرة، بالإضافة إلى إصدار كتاب توثيقي يحوي دراسات وصورا حول الأعمال المشاركة.

17