الفن في زمن الموت معجزة إنسانية وجمال مقاوم

يظل الفن قادرا على مقاومة الإرهاب، إذا ما تم توفير المؤسسات الثقافية الكفيلة باحتضانه وتشجيعه وتحقيق المصالحة بينه وبين شباب العالم العربي الذي يعيش منذ سنوات العديد من الهزات التي أثرت على مبادئه وهويته، ويبقى الفنان مراهنا على الكلمة الحرة والرسم الحر من أجل إعادة مشاعر الفرح في مواجهة الإرهاب الذي يدمر، في حين يبقى الفن بانيا ومؤسسا لنفوس تائقة إلى الحرية ورسم عالم أفضل وأنقى من هذا الذي نعيشه اليوم في زمن صار فيه الإبداع متهما بل وسببا للقمع الفكري وحتى العنف الجسدي.
الخميس 2016/10/06
الفن يولد دوما كما يولد الحب على حافة جحيم ما (لوحة للفنان علي النجار)

تطرح الكاتبة التونسية أم الزين بنشيخة المسكيني في عملها الجديد الموسوم بـ”الفن في زمن الإرهاب”، سؤالا جوهريا وهو: لماذا الفنّ في زمن الكارثة؟ وتحاول الإجابة عن هذا السؤال عبر رحلة طويلة مع تأريخ الفن، باحثة بين زوايا تأريخه ومبدعيه عما يؤشر إلى إجابات ضمنية تؤكد ضرورته لاستمرار وجمالية الحياة.

تقول المسكيني في عتبة كتابها “أن يغمس الحُبُّ في الموت علّه يجعل الحياة ممكنة مرّة أخرى، لأنَّ في الفن ضربا من العشق القديم الذي يرغب في استحضار الحبّ حتّى وهو بإزاء جثّة”.

وتضيف “يولد الفنّ دوما كما يولد الحبّ على حافة جحيم ما. هو جحيم أرتير رامبو، الذي ينادينا في صوت مارد مخيف أن “أعيدوا ابتكار الحبّ” أو كما في مرثية هولدرين “الخبز والنبيذ/ حيث وُلد السؤال/ لماذا الشعراء في الزمن الرديء”.

لماذا الفن

في فصل “قراءة الدمار” من الكتاب الصادر عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف، تستشهد الكاتبة بقول ألبير كامو، الذي يبدو معاصرا، وكأنما قاله الكاتب الفرنسي عن يومنا الحالي “جبان من ييأس من الوضعيّة الحاليّة للعالم، ومجنون من يأمل منها أيّ شيء” وما قاله بول سيلان، وهو يظن أن العالم أفضل مما نعتقد ” ثّمة أغنيات سنغنّيها فيما أبعد من البشر”.

إن سؤال، لماذا الفنّ في زمن الإرهاب؟، هو سؤال ضمن الجدليات السياقية، أو كما تقول الكاتبة “سؤال يجد تأريخه الخاصّ ضمن التقاطعات العميقة بصلب مصير الفنّ نفسه، وبين أصداء هذا السؤال في كل زمن يوقع الكارثة على طريقته. زمان هولدرين أو زمان هيدغر أو زمان أدرنو. وها نحن في زماننا الخاصّ زمان يستثمر في صناعة الخراب”.

وتتساءل المسكيني “أيّ فنّ ممكن حينئذ في زمن الإرهاب؟ الإرهاب كعنوان كبير لعصر ربّما لم يعد فيه العالم مكانا صالحا للسكن فما بالك بمطلب الحياة السعيدة؟”.

استطيقا ابتكار الحبّ المضادّ لثقافة السلع المتوحّشة

ومن جهة أخرى تشتغل المؤلفة في كتابها تحت ثلاثة سياقات: الأول: الفنّ هو أحد أعداء الإرهاب اللدودين، لذلك فالمعركة معه هي أيضا معركة فنية، والثاني: إنّ الفنَّ في زمن الإرهاب هو ضرب من المقاومة، وليس مجرّد فنّ للفنّ أو فنّ مجرد من الغايات الحياتية، وأخيرا في ما أبعد من التفاؤل، والتشاؤم، كأضعف انفعالات العقل الكسول، ثّمة استطيقا للحبّ والسعادة ترغب في أن تكون بحجم الكارثة، هي استطيقا ابتكار الحبّ المضادّ لثقافة السلع المتوحّشة، وهي استطيقا السعادة بما هي الرغبة في ما هو مستحيل، ضدّ واقع قد لا يكون سوى أضعف إمكانات البشر.

عند تأويل الإرهاب، تعمد الكاتبة، كمتلقية، لسياقات وأنساق، خبرية وصورية، إلى تناول الإرهاب بمادته المتوحشة وفلسفته العدمية، متناولة الموضوع من تجربتها ككاتبة، وإنسانة تعيش في هذا العالم.

فتقول “حينما تعود إلى بيتك كلّ ليلة، إن كان لديك بيت، وتركن إلى كنبتك وشاشتك، ستداهمك حتما صور الدمار اليومي في مدن يصرّ التأريخ على أن يُكتب فيها بدماء أهلها، وبالرغم منك أنت الذي جئت من أتعاب يومك لاجئا إلى موقع راحتك، عليك حينئذ أن تنضمّ إلى منطق ذاك الدمار وأن تستسلم في ضرب من الموقف الكلبيّ إلى ركح الصور، صور تأتيك من كل المدن العربيّة كي تخبرك عن عدد القتلى اليوم. ستساهم حينئذ رغما عنك بعينيك وقلبك وجسمك المنهوك في قطاف حصاد اليوم وفي قراءة الصور التي تتهاطل على شاشتك كما يهطل مطر غزير في ليلة باردة”.

وتناقش الكاتبة تأويل الإرهاب بمقولة لفتحي المسكيني يقول فيها “إنَّ الإرهاب علامة على خلل جذري في ماهية الحداثة نفسها” ومقولة لدريدا يقول فيها “لا يتمّ إحصاء الموتى، بالطريقة نفسها، في جميع أرجاء العالم”.

وتعلق على ما يحدث في الوطن العربي “كل القصائد تتألم وتموت في اليوم ألف مرّة حين يقتل أطفالنا وتغتصب النساء في ديارنا، وتصير شعوبنا إلى شعوب لاجئة.. بلا وطن.. بلا رغيف يحضن جوعها”.

المساحة السوداء

يضمّ الكتاب ثلاثة أقسام، الأول جاء بعنوان “تأويل الإرهاب” والثاني “الفن في زمن الإرهاب” والثالث “في استطيقا المقاومة”، وخاتمة تناولت فيها القلق لما ستؤول إليه الأمور في بلداننا العربية، تحت عنوان “قلق في المستقبل”، مستفيدة من ثلاث مقولات للخاتمة الأولى للويس أراغون يقول فيها “ذات مساء جميل، يُسمى المستقبل ماضيا” وماركس “أنا لا أحضّر وصفات طبخ لمطاعم المستقبل”، وختمتها بعبارة توني نيغري “نحن نعاني من المستقبل”. وبالرغم من المساحة السوداء التي أشارت إليها الكاتبة، مما نعيشه اليوم في الكثير من بلداننا العربية، وهذا سيكون البذرة التي يأتي منها المستقبل، كما كان اليوم بذرة لليوم الماضي، إلا أنها في الكثير من فصول أقسام كتابها الجديد نجد أن الفنّ دائم الانتصار على الموت والهمجية، وأنه وسيلة مثلى للحلم والحياة والسعادة.

يشار إلى أن المسكيني سبق لها أن نشرت كتابين في الجماليات، هما “تحرير المحسوس ــ لمسات في الجماليات المعاصرة” العام 2014 و”مؤانسات في الجماليات” العام 2015.

14