الفن في صراع بين التطهير والتسلية

منذ رسوم الكهوف إلى أعمال الفيديو كليب.. ماذا حدث للفنون.
الأحد 2020/09/13
فن سطحي للتسلية

رافق الفن وجود الإنسان منذ القدم، وكان موجودا مع الناس في أدق تفاصيل حياتهم، فوجد في رسومات الإنسان القديم في الكهوف وكذلك على أدواته الصلبة وأسلحته. وعبر التاريخ وجدت نظريات فنية كثيرة كانت تبحث عن أسرار الفن وفلسفته، وفي سبيل ذلك قامت صراعات إبداعية عديدة بين نظريات الفن للفن والفن للحياة، ونظريات أخرى ترى أن الفن ثانوي ويمكن الاستغناء عنه، فأي ضرورة للفن اليوم؟

 يعرّف الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي الفن بأنه “نشاط بشري لإنسان وعن طريق علامات خارجية معينة، يمد يده إلى مشاعر الآخرين التي عاشها، وأن الآخرين يتحسسون هذه المشاعر ويختبرونها أيضا”. أما بيكاسو فيرى أن “الغرض من الفن هو غسل غبار الحياة اليومية عن حياتنا”.

وبدوره لوسيسوس آنيوس سينيكا يكتب أن الفن “هو تقليد للطبيعة”. أما غوته فيعرّف الفن بأنه “قوة مشكلة قبل أن يكون جميلا، منذ أمد بعيد، وحين يكون كذلك يكون فنا صحيحا عظيما، أصحّ وأعظم من الفن الجميل نفسه، لأن في الإنسان طبيعة مشكلة تظهر نفسها في فعالية ما حين يكون وجوده مكفولا. هذا الفن المشخص هو الفن الوحيد الصحيح وعندما يؤثر في ما حوله من شعور داخلي مفرد متفرد أصيل مستقل، غير مكترث بكل ما هو غريب عنه، بل جاهلا به، عندئذ يكون هو الكل”.

في نشوء الفن

منذ فجر التاريخ والحياة البشرية نشأ الفن كأحد النشاطات الإنسانية الطبيعية، وكان الفن موجودا فيها بشكل واضح حتى في الحياة البدائية وتكويناتها الأولى، وعبر التاريخ ارتبط الفن بالعمل والدين والسحر والعلم. فتأطر بها وكذلك أطرها.

في كل المراحل الإنسانية وعبر العصور كان الفن ضروريا في حياة الأفراد والمجتمعات. وقد درس منظرو الفن والفلاسفة علاقة الفن بالمجتمع عبر التاريخ البشري وأوجدوا في ذلك الكثير من القواعد في علوم الفلسفة والفنون. ولعل تناقل الناس العديد من الملاحم والمؤلفات الأدبية وربما التاريخية الكبرى في العالم يحمل تأكيدا على اهتمام الشعوب بالفن وتقديسها له، كذلك الأمر في ما يتعلق ببعض الرسوم والكتابات التي أبدعتها في الكهوف أو المدافن.

لذلك ظهرت ملاحم وقصص قديمة منها ما كان في اليونان كالإلياذة والأدويسة وكذلك ما كان في الهند على غرار المهابهاراتا، وفي منطقة فارس والجزيرة العربية والعراق مثل جلجامش وألف ليلة وليلة والتغريبة الهلالية وسيرة عنترة والظاهر بيبرس وغيرها.

الإنسان بطبعه يطلب الجمال، والعوام يقولون “إن الله جميل يحب الجمال”. ويحكى عن النبي عيسى عليه السلام في قصة رويت عنه خارج الإنجيل، أنه كان يمشي مع أصحاب له من الحواريين، فمروا بجيفة كريهة الرائحة، فقام الجميع بسد أنوفهم والابتعاد إلا السيد المسيح الذي لم يبتعد بل قال لهم “ما أشد بياض أسنانها”.

فريق يرى أن الإنسان البدائي هو من بدأ بالتعرّف على الفن وآخرون يقرون بأن الفن قد ظهر مرتبطا بالسحر

ولعل ما قام به السيد المسيح ينسجم مع ما قاله المفكر الإيطالي كروتشيه بعد ما يقارب الألفي عام حيث يجيب عن ماهية الفن بأنه “حدس. والفن ينتج صورة أو خيالا، والذي يستمتع بالفن يجيل النظر حول النقطة التي أشار إليها الفنان. وينظر من النافذة التي هداه إليها، فإذا به يعيد صياغة هذه الصورة في نفسه”.

في نظرة تاريخية لنشوء الفن وتطوره في المجتمعات الإنسانية البدائية سيتبين أنه منذ مرحلة العصور الحجرية التي تعاملت مع الفن كضرورة حياتية قبل أن تقننه في مجموعة من القواعد والمذاهب الفكرية والفلسفية والجمالية، فإن مؤرخي الفن يقسمون شكل الفن البدائي إلى شكلين.

فريق أول يرى أن الإنسان البدائي قد بدأ بالتعرف على الفن من خلال الأدوات البدائية التي كان يعمل بها في حياته اليومية خاصة الأسلحة وأحيانا قرون الحيوانات والأجسام الصلبة التي تقع بين يديه وتقبل أن يرسم عليها. وفي هذه المرحلة نشأت الحالة المسرحية التي ولدت في المعابد القديمة حيث اختلطت فيها الحالة المسرحية بالموسيقى والشعر من خلال التحضيرات العسكرية للحروب التي كان يقوم بها المقاتلون ويطلقون صيحات الحماسة والنصر بترداد محدد تطور لاحقا ليصير حالة مسرحية فيها الشعر والتشخيص والموسيقى.

أما الفريق الثاني فذهب إلى أن الفن قد ظهر مرتبطا بالسحر، الذي كان يهيمن على فكر الناس في مجتمع يملك أسئلة كبرى لا يستطيع الإجابة عليها. فالإنسان البدائي كان محاصرا بالكثير من الظواهر الطبيعية التي يراها كل يوم في حياته اليومية لكنه لا يعرف طبيعتها و أسراراها، وكان أحد الطرق الموصلة لفك طلاسم هذه الأسئلة هو السحر، الذي شكل كما يرى هؤلاء أساسا لإنتاج الفن لاحقا.

بين التطهير والتسلية

الفن المعاصر هناك ما له وما عليه
الفن المعاصر هناك ما له وما عليه

قال الكاتب والمسرحي الفرنسي جان كوكتو في توصيفه لضرورة الفن “الشعر ضرورة.. وآه لو أعرف لماذا”. وحاول الكثير من المبدعين تفسير معنى ضرورة الفن كما فعل الناقد السويسري الشهير آرنست فيشر الذي ألف كتابا كاملا باسم ضرورة الفن. فبعض النقاد يرى أن الفن ضروري لأنه يجيب على سر وجود الإنسان في الحياة، ويسجل من خلاله حواره مع محيطه الذي يعيش فيه وبه يرسم أحلامه وتطلعاته، وبالفن تطوير لعمل المدركات الحسية التي يمتلكها الإنسان من خلال حواسه الخمس، وتسخيرها لإنتاجات إبداعية تشكل حضوره في المشهد الإنساني عموما.

والفن في رأيهم ضروري في أنه يشكل جسر تواصل بين الناس المختلفين عن بعضهم بعضا، والذين بفضل الفن سيكونون أكثر قربا من بعضهم ومعرفة بنتاجاتهم الإنسانية. فضرورة الفن فكرة عاشت في الفكر الإنساني طويلا والبعض ربط وجود الحياة أصلا بوجود الفن كونه يشكل المعادل النفسي لها والحضور الإبداعي للمبدعين. وهذا يشمل كل أنواع الفنون سواء ما كان منها في الأداء كالمسرح والموسيقى والرقص والرقص، وما كان في فنون الأدب كالقصص والروايات والشعر أو الفنون البصرية كالرسم والنحت والتصوير الضوئي.

بعد مسيرة طويلة في التاريخ البشري، صارت للفن وظائف وأهداف، تتشكل في مجموعة من المفاهيم التي يعتقد صناع الفن أنه لا يخرج عنها. ورغم اختلاف الكثير من تصنيفات هذه النظريات والقواعد، فإن هنالك رأيا عاما يرى أن الفن بمجمله له حدان: أعلى وهو التطهير وأدنى وهو التسلية.

أرسطو الفيلسوف اليوناني الشهير كان يرى في مفهوم التطهير الفني أنه يحرر الفرد من المشاعر التي تشكل ضررا عليه، وتكون كامنة في نفسه، كالخوف والغضب. ووجهة نظره أن في مشاهدة الجمهور للأعمال التراجيدية المسرحية التي تقدم مشاهد فيها حزن وغضب وشفقة، فإن ذلك يحرره من بعض العواطف المماثلة الكامنة في نفسه، بحيث يقل مخزون الشخص من هذه المشاعر السيئة ويتجه أكثر نحو الخير.

وبالنتيجة فإن هذه الأعمال تترك المتلقي في نهاية العرض مع مجموعة من الأسئلة التي تحاصره عن الضمير والأخلاق والمجتمع وغيرها. فأرسطو كان يرى أن التراجيديا المسرحية تفعل في الإنسان فعلا تطهيريا عبر عرض مصائر الشخوص الحاملين لمشاعر خاطئة وشريرة وبالتالي تخليص الجمهور من بعض هذه المشاعر ليخلص إلى حالات أكثر هدوءا وسلاما.

وهذا ما ذهب إليه عالم النفس فرويد الذي كان يرى أن كتم المشاعر السيئة سيؤدي إلى تراكمها يوما بعد يوم، وسيأتي زمن تنفجر فيه، وسيكون الانفجار عنيفا، لذلك فإن التعامل مع الفن من خلال التعرف على هذه المشاعر عن طريقه سيساعد الشخص في التخفيف منها وبالتالي الابتعاد عن الاعتلالات النفسية التي يمكن أن تولدها حالة كتمها لأزمنة طويلة. أما الحد الثاني من الفن فيتشكل في فن التسلية، بحيث لا يتطاول لتقديم حالات تراجيدية تحمل معاني إنسانية كبرى، ولا يعتد بخلق حالة تطهيرية لدى المتفرجين، بل يكتفي بإيجاد مساحة فنية تقدم التسلية البحتة، وهو يتجه بذلك إلى جمهور أوسع. ولعل أهم وجه فني يمكن أن يقدم هذه الحالة في عصرنا هو الأعمال الكوميدية الساخرة التي تقدم في المسرح أو السينما والتلفزيون.

صدام فني

ضرورة الفن أطروحة قديمة في الفكر الإنساني، والبعض ربط وجود الحياة بوجود الفن كونه المعادل النفسي لها
ضرورة الفن أطروحة قديمة في الفكر الإنساني، والبعض ربط وجود الحياة بوجود الفن كونه المعادل النفسي لها

بين كلتا الحالتين (التطهير والتسلية) تدور دائما معارك إبداعية وفنية كبيرة، ولدت ولن تنتهي، فأنصار مذهب التطهير يرون فيه واجبا وظيفيا، بحيث أن الفن عندهم معني بتقديم وظيفة اجتماعية وإنسانية محددة، وهي التطهير النفسي، التي تخفف عن الإنسان آلامه ومصاعب الحياة التي يعيشها وتبتعد به ولو جزئيا نحو مساحات من الجمال الفني الخلاق، بحيث يخرج الجمهور من قاعات العرض ليس كما دخل، بل إنسانا آخر يحمل نفسا أكثر طهرانية وهدوءا وانسجاما مع محيطها وعالمها.

كثيرا ما يتجلى هذا الخط الفني في الموسيقى الكلاسيكية والمسرحيات التراجيدية الجديدة أو تناولات مستعادة لنصوص مسرحية تراجيدية قديمة مثل أوديب ملكا أو هاملت أو غيرهما. أما الحالة الثانية والمعني بها حالة الفن التسلوي (التسلية) فإنها تقدم مادة رائجة سريعة، تحيط بالمتفرج على القنوات الفضائية من كل حدب وصوب، وهي كما يصفها صناعها تبتعد عن المقولات الكبرى ولا تقدمها بل تعمل على إيجاد ثيمات اجتماعية بسيطة تقدمها في أشكال فنية عديدة، بين المسرح والتلفزيون وحتى السينما.

وبالطبع، وفي زمن قلت فيه درجة ثقافة المجتمعات العربية تحديدا، ستحظى هذه الحالة بجماهيرية أكبر، ولو على حساب المستوى الفكري المقدم، وسوف يكون الحضور الإعلامي لها أوسع. وهذا ما يعني المزيد من الصراع بينها وبين الحالة الأولى. ولعل المثال الأكثر نصوعا في عصر التقانة والإنترنت، سيكون في حالة الغناء الحديث، حيث تحفل الآلاف من القنوات التلفزيونية على مستوى العالم بتقديم الآلاف من الأغنيات الحديثة (فيديو كليب) التي لا تقدم من خلالها سوى ثيمات بصرية مكررة ومسطحة الفكر والإبداع، ولا تحاكي غالبا حتى منطوق كلام الأغنية التي يفترض أنها تجسيد راقص لها.

هذه الكليبات صارت حالة عامة، خاصة في الوطن العربي الذي تظهر فيه تماما الأمية الثقافية الموجودة في شبكات التلفزة العربية، حيث تتشكل هذه القنوات بالمئات والتي لا يستطيع متابع تمييز واحدة من الأخرى نتيجة استهلاكها نفس الشكل الفني التسلوي الذي لا يقدم أي مفيد أو أي جديد.

وإضافة إلى ذلك تتجه بعض القطاعات الإنتاجية العربية إلى إنتاج دراما تلفزيونية يفترض أنها تقدم فنا للتسلية، لكنها تنحدر حتى عن مستوى التسلية لتصل إلى درجة الإسفاف الفني، بحيث تقدم أعمالا منفصلة عن الواقع تقوم على صناعة أحداث مفبركة مع بعض توابل الفكاهة الممجوجة التي وجدت منذ ما يزيد عن الخمسين عاما، كما تزخر هذه الأعمال بالمواقف الغريبة والشخصيات المختلة التي من الصعب أن نراها في حياتنا الحقيقية. ولكنها في عصر الثقافة الأقل ستجد لها متابعين وسوف يتم تكريسها عبر قنوات درامية خاصة بها على مدار الأيام. وهذا ما يعني أن عملية فنية نهضوية قادمة ربما بعد العشرات من السنين ستكون أمام مهمة بالغة الصعوبة في تصحيح حال التذوق الجمالي المهمين حينها.

الفن عمل يومي للإنسان البدائي
الفن عمل يومي للإنسان البدائي 

 

13