الفن في ظلال الديكتاتورية: قطع الرؤوس مادة للضحك

الخميس 2014/10/02
مشروع "ومضة" يوحي وكأن شيئا لم يكن في سوريا الجريحة

دمشق - هناك الفن وهناك المبتذل، الخيط الرفيع الفاصل بينهما يصبح أكثر تشوشا في ظل الأزمات والحروب، ففي سوريا اليوم وفي ظل ما يحدث من مآس كان للمظاهر الفنية بروز على العديد من الأصعدة، وبالأخص تلك الإنتاجات الفنية التي تستخدم الحدث السوري وتصعّد بعض جوانبه لتستثمره كوسيلة للتهكم والسخرية.

السؤال المطروح يرتبط بالصيغة التي تقدمها هذه الإنتاجات التي تحولت إلى شكل من أشكال الابتذال يسمى بالـ”banal”، حيث تتجاوز الصيغة الكوميدية لتصل حدّ الابتذال، سواء كان هذا النتاج مرتبطا بصيغ النظام أو الصيغ المعادية لوجوده.

الأمثلة الأوضح على ذلك هي الـ”video clips” التي أنتجتها مؤسسة بدايات وهي “بالذبح جيناكم” و”بحب الموت”، الأول يتناول الطائفية في سوريا عبر إعادة توليف أغنية مستمدة من مقطع فيديو لطفل صغير، يتحدث عن الذبح الطائفي.

يرسم “بالذبح جيناكم” صورة مبتذلة لحقيقة الطائفية المنتشرة في سوريا، لكن هل الموضوع قابل للتهكم؟ هل جفت الدماء وأصبح الابتذال هو الحل الوحيد..؟ أما “بحب الموت” فهو صيغة بصرية أقرب للـ”Kitsch” تتهكم فيها بتول محمد على جبهة النصرة ونظام البعث.

المشكلة تكمن في أن هذه الأشكال تقدم صيغا فنية أقرب للاستهلاك وبعيدة عن الصيغ الفنية المتماسكة، فهي “تُستهلك حال إنتاجها”، ولا يمكن لها أن تستمر بسبب انخفاض قيمتها الفنية.

الجانب الآخر يكمن في استخدام الواقع وتحويله إلى مادة للسخرية في ظل الموت الحقيقي، هل فعلا من المضحك أن نحول مشاهد قطع الرؤوس إلى مادة للسخرية؟

إن ادّعاء العصرنة (Modernization) والقدرة على الدخول في التناقضات التي تشهدها سوريا يضع النتاج الفني موضع التساؤل، هناك جهاديون حقيقيون يقطعون الرؤوس ويهجّرون الشعب السوري بالتعاون مع النظام نفسه، هل هذا مدعاة للسخرية..؟

الأثر ينسحب على الشكل الفني، فكلا الإنتاجين لا يراعيان المعايير الفنية، بل هما أقرب إلى أعمال الهواة، ومما يثير الغيظ أكثر هو معرفة المبالغ المدفوعة لتمويل هذا الإنتاج، السؤال المطروح هل هذا الإنتاج يمثل الثورة السورية المجيدة والخطاب الفني المرتبط بها..؟.

أشكال تقدم صيغا فنية أقرب للاستهلاك، إذ لا يمكن لها أن تستمر بسبب انخفاض قيمتها الفنية

الجواب طبعا لا، لكن الإشكالية تكمن في الاعتراف بهذا الشكل بوصفه فنا فقط، لأنه يتناول الحدث السوري، بعيدا عن أي صيغة فنية، فالابتذال الذي يحكم هذه الظواهر جعل الصنعة الفنية تتراجع أمام الفكرة التي تغفر أحيانا سوء الإنتاج.

على الصعيد المقابل النظام السوري أفرز أيضا العديد من الظواهر التي بدورها تسقط في خانة الابتذال، بل وتتحول إلى ظواهر فنية، المثال الأوضح هو “ومضة”، المشروع الفني الذي بدأته الشابة نغم ناعسة، فهو أقرب إلى المسرح في الشارع.

حيث ينتشر الموسيقيون في أرجاء أحد شوارع دمشق ثم يقومون بالعزف والغناء، هذه الحالة فريدة من نوعها في دمشق، إذ أن الكثيرين حاولوا القيام بأساليب مشابهة لكنهم قوبلوا بالقمع والاعتقال واضطروا إلى مغادرة البلاد.

تجربة “ومضة” هي مثال على الأفيون الذي تنتجه ظواهر النظام الفنية، فهي سخرية مبطنة من حركات التظاهر، بل وحتى تستخدم الأحداث الراهنة كـ”ومضة كيماوي” كأسلوب للاتكاء على الواقع، حيث تُختزل مجزرة الكيميائي في الغوطة إلى مشهد فيه عدد من الشبان والشابات يعزفون ويغنون في الشارع والمجزرة ما زالت طازجة. المشروع حاليا يتحول الآن إلى فيلم وثائقي، لكن وثائقي عن ماذا..؟ عن أن الشعب السوري ينجو خلال الحرب وما زال صامدا..؟

الحقيقة أن الشعب السوري لا ينجو، وهو يتعرض للذبح يوميا، بل هو غارق في الظلام، ولولا الأمن المنتشر في كل مكان لما تمكن الشبان والشابات في ومضة من حمل أدواتهم، ففي الوضع الطبيعي لا يجرؤ أحدهم على إشهار هاتفه النقال، فكيف تمكن الموسيقيون من رفع آلاتهم والغناء ونشر الكاميرات؟

ظاهرة “ومضة” هي جزء مما يحاول النظام السوري دعمه، وهو هامش من الحرية البسيطة، لكن الخاضع للسيطرة، وخاضع لرؤية النظام التي تروج لاستمرار الحياة، هو سخرية من كل ما يحدث في سوريا.

فالواقع أقسى من اختزاله في أعمال فنية ومسرحية مبتذلة، لا ترتقي بمضمونها إلى هول المأساة، ناهيك عن الترويج لها وجعل الشكل الفني الذي تقدمه هو الصيغة المعترف بها للفن، وكل ما هو مخالف لهذه الصيغ التي تزيّن المأساة يرفض وينبذ.

16