الفن كغرض يومي .. تاريخ الحركة الحداثيّة في فرنسا وأبرز روّادها

معرض يرصد التطور الزمني لنشاط الحركة الحداثية والجماليات التي قدموها وارتباطها بالتغيرات السياسية، مراعيا خصوصية كل فنان ورؤيته إلى "الحداثة"، ككوربوزية وماليت ستيفن وبيير شاريو.
الأحد 2018/08/19
تصميمات حداثية للأثاث

باريس – تأسست حركة “الاتحاد الفرنسي للفنانين الحداثيين” عام 1929 وامتد نشاطها حتى نهاية الخمسينات، وكانت تهدف إلى تحقيق قطيعة أسلوبيّة مع جماليات الماضي، وكل ما يمتلك خصائص الغنى والبذخ، والاعتماد على ما هو مصنوع بحرفيّة، وتجاوز ما اعتادت عليه عين الناظر، حينها  شملت الحركة معماريين ومصممي ديكور وصانعي جواهر ومصممي أزياء، وذلك لتقديم منتجات فنيّة متاحة للجميع، كاسرين الحدود بين ما هو استهلاكي /وظيفي، وما هو  فخم لا يحقق الوظائف المطلوبة، منتصرين للوظيفة والبساطة على حساب الأبّهة والفخامة.

يستضيف مركز بومبيدو في باريس معرضا بعنوان “مغامرة حداثية” وفيه أعمال وتصميمات لأشهر فناني الاتحاد الفرنسي للفنانين الحداثيين، الذين أسسوا الهوية الفرنسية الحداثية، تلك التي مازالت آثارها حاضرة حتى الآن، سواء في الأثاث المنزلي أو في العمارة، فالمعرض يرصد التطور الزمني لنشاط الحركة، والجماليات التي قدموها وارتباطها بالتغيرات السياسية، مراعيا خصوصية كل فنان ورؤيته إلى “الحداثة”، ككوربوزية وماليت ستيفن وبيير شاريو.

تعرضت الحركة للكثير من الانتقادات في بدايات نشاطها، وبالرغم من الشخصيات الشهيرة التي كانت تحويها، اضطر المؤسسون إلى إطلاق مانيفستو عام 1934 بعنوان “الفن الحديث كإطار للحياة المعاصرة”، وفيه بحث جمالي ووظيفي عن ضرورة حضور الفن في الحياة اليوميّة، وجعله متوافرا للجميع ومستخدما من قبلهم، وهذه ما نراها في تاريخ المعارض المتعددة التي كانوا يقيمونها، التي يرفضون فيها التصنيف الهرمي للفنون، إذ يمكن أن يُزين جدار المنزل بلوحة تستوحى من ماتيس، كاسرين احتكار جدران المعارض لهذه الأعمال وجمالياتها.

المعرض يكشف بالوثائق والنصوص الصعوبات التي واجهها الفنانون في علاقتهم مع المؤسسة الصناعيّة، التي كانت ترفض جعل تصميماتهم تصنع بشكل جماهيري واستهلاكي

نشاهد في المعرض  أعمال فرانسيس جوردان، الرسام ومصمم الأثاث، والذي اشتهر بأنه أدخل الألوان إلى التصميمات الداخليّة وديكور المنزل، كالصالون الأزرق الذي قام بتصميمه، حيث نرى مقعدا ورفوفا ومكتبا، تشكل كتلة متصلة، إذ يوظف الأسطح  للحد الأقصى، معتبرا أن هذا التصميم يعكس موقفه من الأثاث الراقي، ذي الكتل المنفصلة الضخمة، وهذا ما نراه أيضا في اللوحات الانطباعيّة التي اختارها  لتزيين الجدران، ما جعله واحدا من أشهر فناني الحداثة الفرنسية التي تستخدم الموتيفات الفنية والألوان لجعل  فضاء المنزل الداخي حيويا وحيا، لا أسير تصميم باهت لا روح فيه.

يحوي المعرض أيضا أعمال الجيل الجديد من الفنانين والمصممين الحداثيين الذين بدأوا نشاطهم عام 1949 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت باكورة ظهورهم في معرض أقاموه في ذات العام في متحف الفنون التزيينية، بعنوان “الأشكال المفيدة-أغراض من زمننا”، الذي استضاف حينها تصميمات لشاروت بيريون، التي كانت مسؤولة عن عرض الأثاث والأغراض المنزلية، والتي تشمل لوحات لخوان ميرو مثلا إلى جانب أوان وكؤوس وصحون وطاولات، ومن بعد إنجازها هذا أصبح قسم “الأشكال المفيدة” دائما في المعارض التي يقيمها المتحف.

نشاهد أيضا المكتب الذي صممه بيير شاريو، الذي يتألف من ألواح خشبية بسيطة، محمولة على أعمدة من الكروم، بوصفها انعكاسا لديناميكيّة الحياة، ومحاولة للاستفادة من المساحات ضمن فضاء المنزل، إذ يهدف إلى استثمار السطوح دون أن يشغل حيزا كبيرا من الفراغ، كونه يعمل بصورة نقيضة للمكاتب الفاخرة التي  تتكون من كتلة واحدة صلبة وضخمة لا تتحرك بسهولة.

يكشف لنا المعرض بالوثائق والنصوص الصعوبات التي واجهها الفنانون في علاقتهم مع المؤسسة الصناعيّة، التي كانت ترفض جعل تصميماتهم تصنع بشكل جماهيري واستهلاكي، بعكس  منتجات تيار الباوهاوس الألماني مثلا، ما اضطرهم في الكثير من الأحيان إلى العمل على لتلبية طلبات الزبائن فقط، دون أن تكون منتجاتهم متوافرة للجميع، ولحل هذه المشكلة، وجدوا أنفسهم مجبرين على التعاقد مع شركات التصنيع الخاصة، التي جعلت تصميماتهم  تنتشر في أنحاء أوروبا، إلا أن الحرب العالمية الثانية أثرت على انتشار أعمالهم وخصوصا ضمن القطاع الوطني.

13