الفن لا يتحدث الفرنسية

فنانون عرب كثيرون يدخلون إلى مجال الفن كأنه أدبيات استعمارية.
الأربعاء 2019/10/02
العربية لغة فن عريقة: لوحة للفنان فريد عبدال

لا تحتاج اللوحة إلى لغة بذاتها، لتنتمي إلى ثقافة، ولتستوطن تاريخ الفن، بقدر ما تحتاج إلى عين وبصيرة تستندان إلى رؤية وذاكرة، لذلك يمكن أن تكون لأعمال فنية فريدة تواريخ ثقافية متعددة، برغم وفودها من مرجعية تحكمها لغة مفردة. لنقل مثلا إن لوحة “زهرة الخشخاش” لفان غوخ امتلكت تاريخها ضمن الثقافة الهولندية، لكنها تكلمت الفرنسية حينما وضعت ضمن مسار الانطباعيين وما بعد الانطباعيين، وتكلمت الإنكليزية حينما دخلت المزادات العلنية في لندن، وتكلمت العربية حين امتلك متحف محمد محمود خليل بالقاهرة صيغة من الصيغ العديدة للوحة ذاتها، هي تلك التي سرقت من المتحف في أغسطس سنة ألفين وعشرة، وكتبت تحقيقات عن اللوحة بالعربية وتحليلات لها، هي جزء من تاريخ الفن وتاريخ الجريمة أيضا.

وفي مقدمته للعدد المزدوج (7-8) الصادر سنة 1967 من مجلة أنفاس، تحدث عبداللطيف اللعبي عن الفن المغربي بما هو “اختصاص أوروبي”، ومعرفة أنتجتها أدبيات استعمارية شتى كانت مفتونة بالظواهر الفنية أكثر من الفن. ولقد شاءت صدف تاريخية عديدة أن يقترن الاشتغال على أسئلة الفن في العالم العربي بدوائر مفرنسة، فلقد أصدرت جماعة الفن والحرية في مصر بيانها الأول المعنون بـ”دفاعا عن الفن المنحط” بالفرنسية قبل ترجمته إلى العربية.

لكن تدريجيا بدأ الفن والثقافة المنتجة حول إنجازاته والنقاش حول الحداثة والأسلوب والأشكال تنطق بمفردات عربية في عواصم كبغداد والقاهرة ودمشق حيث كتب رواد من طينة شاكر حسن آل سعيد وجواد سليم وغيرهما نصوصا وقراءات بالعربية، في الآن ذاته الذي انغلقت فيه الأوساط الفنية في المغرب العربي على قناعة ترى أن “الفن يتكلم بالفرنسية”.

والحق أن هذه الظاهرة يمكن قراءتها في مستويين: الأول ينطلق من افتراض أن الفن الحديث والمعاصر نتاج غربي ومن ثم فالكتابة عنه يجب أن تصب في المجرى العام للنقاش العالمي حوله، مع اعتماد الفرنسية بما هي امتداد لتقاليد وافدة من مرحلة الاستعمار حيث كان الفن اختصاصا أوروبيا، وهو المنطلق الذي أنتج ما نعته يوما هشام شرابي بـ”نظرة التعالي والاستخفاف تجاه الكتاب والباحثين باللغة العربية”.

فنانون عرب كثيرون يدخلون إلى مجال الفن كأنه أدبيات استعمارية مفتونة بالظواهر الفنية أكثر من الفن

أما المستوى الثاني فهو المتصل بقناعة المؤسسات المرتبطة بالإبداع الفني، من المعارض إلى الإقامات الفنية وأسواق الفن والبنوك، القناعة التي ترى أن اللوحة والمنحوتة والتجهير منتج موجه إلى شريحة خاصة من المتلقين هي شريحة الطبقة الثرية والمتوسطة العليا ممن تمتلك القدرة على اقتناء التحف، تلك الطبقة التي تجد نفسها في اللغة الفرنسية، وتربط العربية بالجهل والفقر والتطرف الديني… وفي كل الأحول فلا مجال للغة الغالبية العامة من الشعب المفتقد للتعليم الجيد بمعرفة متصلة بسياق مخملي. لهذا تكتب نصوص “الكاتالوغات” في الغالب بالفرنسية، ولا تهم قيمتها النقدية، الأهم أنها تعيد تدوير “الكليشيهات” المألوفة بصدد الفن لإغراء طبقة لا تهمها الكتابة في الأساس وإنما التحفة المقتناة.

وبصرف النظر عن النظرة التحقيرية لثقافة لغة جميلة لها ذاكرة في مذاهب الفن، فإن ما يبدو جليا أن هذا الاعتقاد أنتج تمركزا لغويا مرضيا مناهضا للمعرفة؛ تحضرني في هذا السياق تحديدا مداخلات الندوة الملتئمة مؤخرا بأكاديمية المملكة المغربية عن “دولاكروا في المغرب” والتي كانت كلها بالفرنسية، وكأنما يتعلق الأمر بـ”دولاكروا في فرنسا”، التي لم تخل في شق منها من هرطقات لا معنى لها، ولا قيمة بحثية لها، وعثرت، بالرغم من ذلك، على موطئ قدم بالأكاديمية، فقط وفاء لعقيدة أن “الفن يتكلم الفرنسية”.

كما أستحضر واقعة طريفة متصلة ببينالي الرباط الملتئم حاليا، الذي كان من المفترض أن يحتضن ندوة عن “إعادة كتابة تاريخ الفن بالمغرب” يتدخل فيها مختصون بلغات شتى ومن ضمنها العربية، قبل أن يتم الاستغناء عن الفكرة في النهاية لصالح ندوة فرنكوفونية خالصة، فما دام السياق بتفاصيله المملة فرنسي الهوى، فلا جدوى من اختراق يخرق القاعدة، لكن ما يلفت الانتباه حقا أن ثمة دوما إصرار على ترجمة مضامين البرامج ذات الجوهر الفرنسي إلى اللغة العربية في المطويات الموزعة على الجمهور، وفي التعميمات الإعلانية. أتخيل دوما أن في الأمر دعابة ما، فما دام المضمون في العمق لا يتصل بأي تجل عربي، وحيث إن البدء والمنتهى معاد لتلك اللغة، فلم الإصرار على المجاهرة بالنزوع الانعزالي لذلك الاختيار؟ ولم الإصرار على الفضيحة في النهاية؟ إن يكن الغرض هو الإمعان في توجيه الإهانة.

15