الفن لا يقبل القسمة

شكسبير للجميع. المتنبي للجميع. سرفانتس للجميع. وعلى مستوى الفن كانت الأمور أكثر يسرا. لقد وضعت المتاحف روائع الفن عبر عصوره في متناول الجميع.
الاثنين 2021/08/16
أعمال دييغو ريفيرا مثلت الواقعية الاشتراكية في أفضل أحوالها

عصفت الثورة الروسية (1917) بالقرن الماضي. ظن الشيوعيون أنهم سيكونون سادة ذلك القرن. ذلك ما جعلهم يقبلون التحدّي في مجالات عديدة، كان الفن واحدا منها.

لقد عادوا إلى السؤال الفرنسي العقيم “الفن للفن أم الفن للناس؟”، بعد أن كان ذلك السؤال قد فرغ من محتواه وأثبت أنه يفتح الباب على جدل لا نفع منه. فالفن لا يقبل القسمة. وليست هناك من ثنائية يمكن أن توزّعه حصصا أو تجعله قابلا للانشطار.

شكسبير للجميع. المتنبي للجميع. سرفانتس للجميع. وعلى مستوى الفن كانت الأمور أكثر يسرا. لقد وضعت المتاحف روائع الفن عبر عصوره في متناول الجميع.

إذا كنت تهوى عصر الباروك فلك رامبرانت وفيلاكسز، وإذا كنت تميل إلى الرومانسية فلك ديلاكروا، وإذا كنت تميل إلى الانطباعية فلديك مونيه، أما إذا كنت ترغب في التحرّر من الجميع فلديك فنسنت فان غوخ، وارثهم وعدوهم.

عام 1917 لم يكن بول سيزان مشهورا غير أن بابلو بيكاسو كان قد رسم رائعته “آنسات أفنيون”، وكانت الدائداية قد سلمت شؤون التحوّل الفني للسريالية التي لم تبدأ بعد، وفي ذلك العام وقع مارسيل دوشان عمله الجاهز الأول.

الفن للفن أم الفن للناس
الفن للفن أم الفن للناس

لم يكن الشيوعيون الروس معنيين بكل ذلك. لقد طرحوا نظريتهم في الفن باعتبارهم منتصرين. قال لينين كلمته. وكتب تروتسكي أفكاره. حتى ستالين كانت لديه وجهة نظره التي اعتقد أنها الأكثر فهما لدور الفن في المجتمع.

ومثلما يحدث في ظل الأنظمة الثورية فقد ظهر فنانون ليكونوا القدوة التي يُحتذى بها. حينها ظهر دييغو ريفيرا (1886 ـ 1957) وهو شيوعي مكسيكي وزوج الشهيرة فريدا كاهيلو ليكون ذلك النموذج.

لقد رسم جداريات كبيرة وفق أسلوب الواقعية الاشتراكية التي لم تكن سوى عودة مبتذلة إلى المدرسة الواقعية، لكن بطريقة تعلي من شأن المفاهيم السياسية.

وبالرغم من أن ريفيرا تأثر كثيرا بالفنون المكسيكية القديمة غير أن ولاءه لمفاهيم الواقعية الاشتراكية دفعه إلى اعتماد الفن السهل، المباشر سريع التأثير من غير أن يترك أثرا جماليا.

ومع ذلك فإن أعمال ريفيرا تمثل الواقعية الاشتراكية في أفضل أحوالها، فرسامو النظام الشيوعي الروس وسواهم أهدروا مواهبهم الكبيرة في إنجاز أعمال لم يُكتب لها البقاء بسبب رداءتها على المستوى الجمالي. كان درس الواقعية الاشتراكية مهمّا. كل أسلوب لا ينبعث من داخل الفن ولأسباب جمالية مصيره الزوال.

16