الفن لعبة لا يمكن أن يمارسها شخص بمفرده

الاثنين 2017/05/29
المسعودي استند في دراساته إلى كل من هيدغر وغادامير

عن منشورات الجامعة التونسية، صدر حديثا، كتاب “زمن الفن وكينونته” للباحث هشام المسعودي، أستاذ الفلسفة، ومدير المعهد العالي للفنون بمدينة نابل التونسية، على شكل دراسات باللغة الفرنسية.

وجميع هذه الدراسات تهدف إلى إثبات أن تفسير الفن، وقراءة النصوص المقدّسة، وفهم ماهية العلوم الاجتماعية، لا تتمّ بفصل هذه المجالات عن بعضها البعض، بل بإيجاد نقاط تباين والتقاء بينها. كما أنه لا يمكن أن نفهم ماهية العمل الفني إلاّ إذا اعتبرناه بمثابة مولود جديد يأتي إلى العالم مُحمّلا بتاريخ وبلغة، وأيضا بحقيقة مّا.

استند المسعودي في دراساته هذه إلى كل من هيدغر، وغادامير اللذين خصّصا للفن في مفهومه الفلسفي دراسات هامة وعميقة. فقد بلور هيدغر نظرياته حول الفن انطلاقا من أعمال شعراء وفنانين من أمثال هولدرلين، ورينار ماريا ريلكه، و فان كوخ، وغيورغ تراكل، وستيفان غيورغ. وكان هدفه رصد معنى الكائن، وحقيقته الجوهرية من خلال هؤلاء. فالفن عند هيدغر وسيلة أساسية لفهم ألغاز الكينونة.

وهذا ما طرحه في محاضرته الشهيرة “مصدر العمل الفني” التي ألقاها عام 1935. ففي تلك الفترة القاتمة من تاريخ ألمانيا، وبعد أن قدّم استقالته كعميد لجامعة فرايبورغ، خيّر هيدغر الانزواء في بيته الريفي في”الغابة السوداء” ساعيا إلى أن يجد في الأعمال الفنية، وفي الشعر ما يفتح أمام فلسفته الوجودية آفاقا جديدة، وأبعادا أخرى غير تلك التي تطرق إليها في كتابه الشهير “الكينونة والزمن”.

انطلاقا من أعمال المبدعين المذكورين، غاص هيدغر في”غابة الفن الكثيفة” باحثا في متاهاتها عن حقيقة الكائن وهو في مواجهة دائمة وأبدية مع مصاعب الحياة، وألم الموت. وبالنسبة إليه لم يكن الحذاء الملطخ بالطين الذي رسمه فان كوخ مجرد حذاء تنتعله فلاحة فقيرة، وإنما هو عمل فني يبرز لنا أن الفن مُتصل بجوهر الحياة. لذا نحن نحتاجه كما نحتاج إلى الخبز، أو إلى الماء والهواء. كما أن قصيدة لهولدرلين، أو لريلكه، أو لغيورغ تراكل، لا يمكن أن يتوقف الهدف منها عند إمتاعنا، أو تسليتنا، بل يتعدى ذلك لتكون أداة لفهم وجودنا على الأرض، والكشف عن خفايا تاريخنا المنسي من خلال اللغة.

يرى هيدغر أن العالم الذي يفتحه العمل الفني ليس مجمل الأشياء الحاضرة، أو تلك التي تملأ فضاء العمل الفني، بل هو تمثّل ما هو غير مألوف وغير اعتيادي. و يشير المسعودي هنا إلى أن محاضرة هيدغر “مصدر العمل الفني”، كانت رائدة، وممهدة لتحاليل جديدة حول ماهية الفن، وحقيقته. وبحسب رأيه، ليس من المهم أن نتفق مع ما ورد فيها من نظريات وآراء، وإنما يجدر بنا أن نتمسّك بما هو أساسي وجوهري فيها، أي بالرؤية الجديدة التي طرحتها، والمتمثلة في أن العمل الفني له أنطولوجيته هو أيضا تماما مثلما هو الحال بالنسبة إلى الكائن البشري. وأما الأمر الآخر الذي جاء به هيدغر فهو أن الفن يتقاسم مع الفلسفة أسئلتها الوجودية، وبحثها الدائم عن الحقيقة، وعن ماهية الوجود.

اعتمادا على ذلك، يرى الباحث أن العمل الفني لا يقتصر على المتعة الجمالية، بل هو يسعى إلى إضاءة ما هو مُسرْبل بالغموض في حياتنا، ومَغْمُور في تاريخنا. كما أن العمل الفني، يحمل في أعماقه الزمن التاريخي لشعب من الشعوب، أو لأمة من الأمم. وهو الحدث الذي ينبثق من زمن آخر يختلف عن الزمن الاجتماعي، وعن الزمن السياسي. لذلك يعتقد هيدغر أن “الفن له قيمة أكثر من قيمة الحقيقة”.

ويرى هشام المسعودي أن غادامير واصل ما كان هيدغر قد طرحه من نظريات وأفكار حول العمل الفني. وهو يربط كينونة الفن بتجربة الإنسان، وبالمحيط الذي يظهر فيه. ولا يتمثل زمن الفن في سرده لحياة الفنانين، ولا في تقسيم الأعمال الفنية بحسب المراحل التاريخية، ولا بحشرها ضمن مدارس فنية، وإنما هو يتمثل في زمن يختلف عن زمن المؤرخين.

وهذا الزمن ينبثق من العمل الفني ذاته. كما أن العمل الفني لعبة. لكنه ليس لعبة تقتصر على ما يقوم به اللاعبون من حركات وسط ملعب لكرة القدم، وإنما هو شبيه بحركة الكرة بين أقدام اللاعبين. وبما أنه لعبة، فإن الفن لا يمكن أن يمارس من قبل فرد واحد، بل لا بد أن يكون هناك رفيق ومنافس. لذا فإن الذين يمارسون فن الرسم، أو النحت، أو يكتبون الشعر، يحتاجون إلى من يشاهد أعمالهم، أو يقرأ قصائدهم، أو يستمع إليها. والفن لعبة أيضا لأنه يحتمل النجاح والخسارة.

15