الفن لنصرة المهجرين

الخميس 2015/10/01

لا حديث هذه الأيام في المجتمعات الأوروبية إلا عن الهاربين من الجحيم السوري، الذين يطرق الناجون منهم أبواب أقطارها. وباستثناء ألمانيا التي رحبت بعدد منهم لأسباب ديمغرافية واقتصادية، تنادت الأصوات في شتى أنحاء أوروبا لمنع دخول السوريين -الذين يسمون مرة لاجئين ومرة مهاجرين قبل أن يقع إقرار مصطلح جديد هو migrants أي المغتربين أو النازحين- إما بسبب الركود الاقتصادي كما هي الحال في فرنسا وإيطاليا وبولندة، وإما بدعوى أن القادمين يشكلون خطرا على هوية أوروبا المسيحية كما صرح بذلك رؤساء حكومات المجر وتشيكيا وسلوفاكيا، وإما خوفا من اندساس بعض الإرهابيين في صفوف طالبي اللجوء.

ولكن أوروبا، التي بدت عاجزة عن استيعاب خمُس ما استوعبه الأردن أو لبنان مثلا، لا تعدم ضمائر حية أدانت تلك المواقف المنافية للقيم الإنسانية التي حرصت أوروبا نفسها على إعلائها. ورغم خروج المتعاطفين في مظاهرات بساحات كبرى المدن الفرنسية، فإن استطلاعات الرأي تفيد بأن نسبة 55 ٪ من الفرنسيين لا يرغبون في استقبال النازحين. ما حدا بأهل الفن إلى التوقيع على بيان يحض مواطنيهم على احتضان المهجّرين عنوة من وطنهم، خصوصا بعد نشر صورة الطفل إيلان كردي.

ولكن أفضل مثال على تحسيس الفرنسيين بالتراجيديا السورية ما نشره الرسام السويسري فيليب شابوي الشهير بـ“زيب” في مدونته الخاصة بالتعاون مع جريدة لوموند. هذا الفنان الذي عرف شهرة واسعة لدى الأطفال واليافعين بشخصية “تيتوف” بطل سلسلة من الأشرطة المصورة والرسوم المتحركة في الآن نفسه، نشر شريطا مصورا بعنوان “الحرب تفاجئ تيتوف وقت الفطور”، يُقْدم فيه على قتل بعض شخوص سلسلته رمزيا، وهو أمر قد لا يحتمله عشاقهم الصغار، ولكنه فعل ما فعل عن وعي لعله يحرك السواكن كما يقول، ولو بتصوير مظاهر عنف فظيعة، تبدأ بمصرع الأب عقب انفجار مفاجئ، وذهول الابن تيتوف وهو يشهد مقتل أبيه ثم رفاقه ومدرّسته، وهروبه صحبة رفيقة ناجية عبر الغابة لاجتياز الحدود، فإذا هي مسيجة دونها رصاص قاتل، وينتهي الشريط بصرخة استغاثة وسط الأسلاك الشائكة. يقول زيب: هؤلاء الناس ليسوا مجرمين. لم يأتوا للسياحة. إنهم يطلبون النجدة.

فماذا فعلنا، نحن المثقفين العرب، لنصرة إخوتنا الذين أُخرِجوا من ديارهم غصبا غير إيثار الصمت في انتظار مرور العاصفة، بل إن منا من لا يزال يسوّي بين الجلاد والضحية، أو يصف ما يجري بكونه مؤامرة أمبريالية صهيونية للإطاحة بـ“القائد الصامد”، ويتجاهل أنه مطلق شررها ومضرم نيرانها.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15