الفن ليس لهوا واللوحات ليست إثما

الرسام اليمني ناصر مرحب: المرأة العربية صارت أكثر حضورا في الفن التشكيلي
الاثنين 2021/09/27
لقطات من الحياة العميقة في اليمن

يستلهم الفنانون التشكيليون اليمنيون من العمق الحضاري لليمن -البلد الذي يعيش سكانه محاطين بالفن- ومن زخارف العمارة اليمنية التي ترقى إلى أن تكون لوحات فنية في حد ذاتها. كما يدخل الفن في كل تفاصيل حياتهم كالزخارف على الأزياء والحلي، ناهيك عن الأغاني والعزف اليمني بالعود والزامل والإنشاد والرقصات الشعبية وغيرها من مظاهر الحياة المتنوعة، وهي التي كانت مادة للرسام اليمني ناصر مرحب الذي يواجه الحروب والصراعات بالخيال. وفيما يلي حوار معه حول تحديات الفن التشكيلي اليمني والعربي.

القاهرة – قال الفنان التشكيلي اليمني ناصر مرحب إن العالم سبق اليمن وكل العرب في مجال الفنون التشكيلية، مشيرا إلى أنه لا يمكن تحميل الفنانين في بلاده أو في الأقطار العربية مسؤولية ما وصفه بـ “تأخر الفنون التشكيلية” في اليمن بشكل خاص وفي الوطن العربي بشكل عام.

ويرجع مرحب -في مقابلة جرت عبر الإنترنت- سبب ذلك التأخر إلى المجتمع العربي الذي يرى “الفن لهواً… واللوحة إثما”، مضيفا أن النصائح لا تزال تتوالى على الفنانين بأنهم “يرتكبون جرما وحراما بما يرسمون”.

الفن ورؤاه

ناصر مرحب: ليس لي اتجاه واحد أو مدرسة فنية بعينها لكل لوحة شروطها

مع بداية الحرب في اليمن، مطلع عام 2015، تأثرت مختلف نواحي الحياة في البلاد، ولم يكن الفن التشكيلي بعيدا عن هذه التداعيات التي قتلت أحلام الكثيرين، وزرعت الأوجاع في مساحات شاسعة بوطن يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ويحتاج معظم سكانه إلى المساعدات.

ويلفت الفنان اليمني إلى أنه على امتداد وطنه اليمن “يتسابق الناس لاقتناء مصادر الموت والحرب ولا تجد من يبادر باقتناء لوحة فنية”، واصفا الفنانين التشكيليين بأنهم يعيشون “حالة من التحدي والمواجهة”.

وحول رؤيته للحركة التشكيلية العربية يقول مرحب إن “من يمعن النظر في لوحات رواد الحركة التشكيلية العربية يجد أن هناك تجارب فنية لها بصمتها الفنية الخاصة، وأن هؤلاء الفنانين لو كانوا يعيشون في بلدان الغرب لوجدت مدارس فنية قد ولدت من ألوانهم وخطوطهم”.

ويؤكد أن المجتمعات العربية تعيش في علاقتها بالفن “حالة من التيه وعدم الاهتمام، وأن ذلك يحدث حتى في أوساط المجتمعات الثرية التي تنفق ببذخ في الكثير من مجالات الإنفاق، ولا تنفق شيئا من أجل اقتناء عمل فني”.

ويقول “لذلك لا يمكن أن نلوم الفنان أو نتهمه بالتقصير لأنه ببساطة لم يجد المناخ المناسب الذي يساعده على تصدر الواجهة في الحركة التشكيلية العالمية”.

ويشير التشكيلي اليمني، الذي فاز أخيرا بجائزة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) لفن المنمنمات خلال العام الجاري، إلى أن هذا الفن هو أحد الفنون الإسلامية التي حظيت بانتشار واسع، بل وبات فنا عالمياً، لافتا إلى أن فكرته بدأت مع بداية الكتابة والتدوين كرسوم مصغرة توضيحية لمضمون الكتابة، وأن فن المنمنمات يهتم بالتفاصيل الدقيقة في رسم الشكل.

حالة عشق

 

اللوحة هي روح الفن ومرحه
اللوحة هي روح الفن ومرحه

حول رؤيته لما يردده البعض من وجود فن ذكوري وآخر نسوي يقول مرحب “الفن هو فن إنساني، سواء قام به فنان ذكر أو أنثى، لا فرق بينهما”. ويضيف أن ثمة من يقول إن هناك فرقا بين رسم الفتى والفتاة، وإن الفتى يغلب على رسومه الطابع الانفعالي مثل أن يرسم سيارة أو معارك أو صراعا، فيما تغلب على رسوم الفتاة الجوانب العاطفية كالزهور والحدائق والعرائس.

ويشير مرحب إلى أن “الفن لا يصنف بحسب النوع، وأن المتابع للمشهد التشكيلي اليمني والعربي يجد أن المرأة تنافس الرجل، بل صارت أكثر حضورا في صالات العرض والملتقيات الفنية، وأنها لو حظيت بالمزيد من الحرية في المجتمعات العربية لتفوقت على الفنانين التشكيليين من الرجال”.

ويوضح مرحب أن معظم أعماله تتصدرها المرأة، وذلك لأنها “مصدر الجمال والحسن والحب والإلهام، وهي تدخل في جميع تفاصيل الحياة اليومية في وطنه اليمن، كما أنها حاضرة في التراث وكل الموروثات الثقافية والشعبية، وفي كل المواسم وكل الطقوس، وهي حاضرة في الحركة التشكيلية على الدوام”.

وحول المدارس الفنية التي ينتمي إليها يقول إن الفن بالنسبة إليه “حالة عشق لا تنتهي”، وإنه وهو يخوض غمار تجربته الفنية يبحث ويكتشف وهو في مرحلة من مراحل مسيرته الفنية يتعلم ويطور تجربته التشكيلية.

ويوضح أنه عندما وجد نفسه يحلق في فضاء الفن كان يطمح لرؤية بصرية أوسع وأشمل، مشيرا إلى أنه ليس له اتجاه واحد أو مدرسة فنية بعينها، وأنه تارة يرسم فنا انطباعيا وأحياناً تجذبه الفكرة إلى الرسم بأسلوب المدارس التشكيلية الحديثة فيتنقل بين المدرستين السريالية والتكعيبية.

ولفت إلى أن “علاقتي بفن المنمنمات جاءت متأخرة. وذلك الفن ينطلق من التحدي لكونه فنا رصينا يحتاج إلى حرفية عالية وصبر كبير، حيث يستغرق العمل الواحد أشهرا حتى يتم إنجازه، وأنا أشعر بسعادة غامرة حين أبحر في أرجاء المنمنمة”.

لوحات تخلّد ملامح اليمن التي أفسدها الصراع
لوحات تخلّد ملامح اليمن التي أفسدها الصراع

وحول علاقته باللوحة والريشة والألوان قال مرحب إن “اللوحة هي روح الفن ومرحه وراحته وإن اللون نَفَسه وتنفُّسه، وإنه بقدر حب الفنان للفن يأتي حجم إتقانه لعمله الفني”.

واعتبر مرحب أن البعض يتخذ من الفن وسيلة لكسب الرزق والبعض يتخذه متنفسا ورسالة، لافتا إلى أنه يمارس الفن باعتباره رسالة محبة وسلام ومصدرا للسعادة والهدوء.

ويوضح أنه يؤمن بأن الفن والإبداع ليسا مصدرا للرزق، خاصة في وطن يؤمن بالعنف أكثر من إيمانه بالتعايش السلمي، لافتا إلى أنه يمارس الفن لأنه وسيلته التي يبتعد بها عما يدور حوله من صراعات.

ويؤكد مرحب أن اللوحة لا تنتهي بالنسبة إليه، فهو كلما تأملها وجد فيها مكانا لفكرة جديدة، وأنه يجتهد من أجل أن يقنع نفسه بأن اللوحة انتهت ويضعها بعيدا لكي يتفرغ لعمل تشكيلي جديد.

وأقام مرحب أربعة معارض فنية شخصية، إضافة إلى المشاركة في قرابة 45 معرضا فنيا عربيا ودوليا، وورش فنية في مصر والجزائر والأردن.

 ويعمل مرحب مديرا لبيت الفن الذي أسسه بمحافظة المحويت اليمنية وفاز في شهر يوليو الماضي بجائزة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة لفن المنمنمات، وهي جائزة سنوية تمنح في فروع الخط الكلاسيكي والحروفية والزخرفة والمنمنمات.

14