الفن والكيتش

رغم الفوارق التي تفصل بين الفن والكيتش، فقد كُتب لهما أن يلتقيا، في الفن الأكاديمي للقرن التاسع عشر الذي عرف بـ”فن رجل المطافئ” والفن الساذج وحتى لدى بعض السرياليين.
الخميس 2018/07/26
لا أحد يستطيع أن يبقى دائما في الأعالي

يختلف الكتاب والنقاد في استعمال مصطلح الكيتش، بعضهم ينظر إليه كمنحى فني طليعي يستند إلى التقاليد ليبدع رؤية للفن جديدة، وبعضهم الآخر لا يرى فيه أكثر من إنتاج رديء، يستسهله أصحابه إما لبساطته، أو لكونهم محدودي الموهبة.

هذا المصطلح المشتق من الفعل الألماني kitschen بمعنى “جمَع فضلاتٍ ملقاةً على قارعة الطريق لكي يبيعَها” ظهر عام 1875 في الأوساط الفنية المونيخية بألمانيا للدلالة على صورة ذات مستوى رديء، تُقبل عليها العامة لزهد ثمنها، وهي تعلم أنها نسخة باهتة عن الأصل، وبما أنها مزيفة، وتقليد للحقيقي، عدّت صورة من العدمية وعامل شر في الجمالية. ولئن نزّلتها حنا أرندت ضمن “ثقافة الجماهير”، فإن ميلان كونديرا رأى فيها “الشر الجمالي الأكبر”، سيرا على ما كان قاله هرمان بروخ قبله بأن الكيتش ” شرّ محض داخل الفن”. ذلك أن مصطلح كيتش في رأي كونديرا يدل على سلوك من يبحث عن الإعجاب لدى أكبر قدر ممكن من الناس بأي ثمن، لأنه يسعى إلى التأكيد على ما يريد الجميع أن يسمعه، مثلما يعكس الجمال والتأثر في تبلد الأفكار المسبقة.

وبرغم الفوارق التي تفصل بين الفن والكيتش، فقد كُتب لهما أن يلتقيا، في الفن الأكاديمي للقرن التاسع عشر الذي عرف بـ”فن رجل المطافئ” والفن الساذج وحتى لدى بعض السرياليين، وكان أندري بروطون يقول “في خضم ذوق مرحلتي الرديء، أحاول أن أذهب أبعد من أي فنان آخر”، ثم خلال النصف الثاني منذ ستينات القرن الماضي مع البوب آرت والستريت آرت وسواهما. ومع سيطرة الميديا صار الكيتش سمة غالبة في جمالية العالم السائدة وأخلاقياته اليومية.

جاء في موسوعة يونيفرساليس “أن الكيتش يقوم على المألوف في حياتنا، ويعزز فينا هويتنا… فهو يجيب مسبقا على انتظاراتنا، ويلغي كل مسافة وكل زمنية”؛ وإن كان “يجعل من المعقد بسيطا، والطموح رديئا، والمهدِّد مطَمْئنا، والأثر الجليل مجرد كليشيه”.

بيد أن الرأي الأصوب هو ما ذهب إليه الفرنسي أبراهام مول (1920-1992) أحد رواد دراسات علوم الأخبار والاتصال في كتابه “الكيتش، فن السعادة”، إذ يؤكد ألا أحد، فنانا كان أم زاهدا أم بطلا إلا وله نزر ضئيل من الكيتش، ولا أحد يستطيع أن يبقى دائما في الأعالي.

ففي رأيه أن كل شيء هو كيتش، باستثناء قلة من أعمال الخلق المطلقة التي تنفلت من كل مجتمع، ومن كل وسط، ومن كل تحديد، ومن كل قاعدة معيارية، ولا يمكن تفكيكها أو شرحها إلا لاحقا.

15