الفن ياله من عذاب

الاثنين 2015/08/10

“ليس في إمكان كل من سخم وجهه أن يصير حدادا” مثل شعبي بغدادي ينسحب على الكثير من المهن، غير الحدادة. مجازه اللوني يجعله قريبا من وصف حالة الفن في كل زمان ومكان.

فالفن كان ولا يزال مبتلى بالطارئين، العابرين، الموهومين، الغرباء الذين يدفعهم سوء فهم عجيب إلى أن يسيئوا إلى أنفسهم بقدر ما يسيئون إلى الفن.. ويشكل وجودهم ظلا ثقيلا وهم لا يشعرون.

ومع ذلك فاجعة من ذلك النوع تهون أمام ما يجري للفن في زماننا. لقد احتل الطارئون من ضعاف الموهبة وقليلي الخبرة مركز المشهد، فيما طرد المشهد بناته الحقيقيين إلى الهامش.

كل صناع الفن اليوم في العالم هم من الهواة الذين أصبحوا محترفين بقوة رأس المال الذي يعرف المنسقون وأصحاب القاعات من أين وكيف يجلبونه، فصار الفن بمثابة لعبة لا يمارسها إلاّ الصغار الذين هم تحت السيطرة.

ولأن الصغار لا يخسرون شيئا، بل هم يربحون في كل الأحوال، فإنهم يكونون على استعداد لتنفيذ كل ما يُطلب منهم. وهنا بالضبط تكمن السهولة التي وقع الفن ضحية لها. ولهذا السبب انتهينا إلى فن يمكن الاستغناء عنه بيسر.

هذا هو الفن الذي يُروّج له اليوم في الملتقيات الفنية العالمية، وهو فن لا يقوى على إنقاذ نفسه، فكيف في إمكانه أن ينقذ البشرية التي تحتاج إلى فن صعب مثلها؟ ليس الفن خبرته كما يُقال، بل هو خبرة عذابه.

لقد ضحى فنانون بحياتهم فلم ينعموا بشهرة ولا حصدوا أموالا، ولكن فنهم بقي خالدا، لأنه ثمرة عذاب حقيقي. ما من فن يبقى سوى الفن الصعب، الفن الذي لا يمكن الوصول إليه إلاّ بعد معاناة وشظف وكدح ووجع يومي.

أما ما ينتجه فنانو اليوم من أعمال فيُقال إنها تنتمي إلى مرحلة ما بعد الحداثة، وإن البشرية ستتخلص منها باعتبارها نفايات عصر، لم يحترم فيه فنانوه كرامتهم، فأهدروها حين وضعوا فنهم في خدمة المنسقين.

كاتب من العراق

16