الفن يصلح ما تفسده السياسة وينتصر للمرأة ويفجر قضايا المجتمع

القضايا النسوية وأوضاع المرأة العربية كانت قاسما مشتركا في العديد من المسرحيات من خلال زوايا ومشاهد متنوعة.
الخميس 2019/01/17
"المعجنة".. كشفت المسكوت عنه من عورات المجتمع

أثبت مهرجان المسرح العربي، الذي اختتم الأربعاء بالقاهرة، أن مسؤولية هذا الفن العريق الشامخ تتجاوز حدود خشبة المسرح، فـ”أبوالفنون” قادر على إصلاح ما أفسدته السياسة، وفضح ومعالجة الأزمات المجتمعية، وإضاءة الطريق للإنسان الراغب في التمرد والتطور والارتقاء.

القاهرة – جاءت عروض مهرجان المسرح العربي التي اختتمت فعاليات دورته الحادية عشرة، الأربعاء، بالقاهرة، حساسة عميقة، منشغلة باليوميات والتفاصيل، متجذرة في الأرض ومنفتحة في الآن ذاته على الفانتازيا والتاريخ.

كثيرة هي الأجنحة التي يحلق بها فن المسرح كعنصر فاعل في منظومة القوة الناعمة العربية القادرة على التأثير والتغيير، وفي مهرجان المسرح العربي بالقاهرة استطاع الفن أن يجمع الفرقاء، ويبعث رسائل طمأنينة للمغبونين والمطحونين، ويعيد صوت النسوية المطموس إلى الواجهة، ويعرّي الحقيقة المريرة، وينكأ الجراح الظاهرة والمسكوت عنها.

وتمثلت أسرار نجاح عروض الدورة الـ11 في الانفلات والجنون والعبث والكوميديا السوداء وغزو قلاع الواقع بأسلحة الخيال.

لم تكن استثنائية الدورة الـ11 لمهرجان المسرح العربي في القاهرة التي انعقدت في الفترة الممتدة بين 10 وحتى 16 يناير الحالي بسبب كثرة عروضها، التي بلغت 27 عرضا بمشاركة 650 فنانا مسرحيا من دول عدة، وإنما بسبب مقدرة تلك العروض على تجسيد الفاعلية العضوية للثقافة، والقوة الناعمة العربية عموما، ليعود للفن صوته من جديد كنبض للبشر، ونافذة للكشف، ومسار للإصلاح.

قلب واحد

"ليلك ضحى".. صرخة مدوية في مواجهة طيور الظلام
"ليلك ضحى".. صرخة مدوية في مواجهة طيور الظلام

اتخذت دورة المهرجان شعارا لها هو “نحو مسرح عربي جديد ومتجدد”، لكن الوجه المشترك الذي أطلت به العروض المتناغمة في توجهاتها وتشابكاتها تمكن في حقيقة الأمر من أن يفرز عنوانا آخر لم يجر اعتماده رسميا، هو “مسرح متعدد.. قلب واحد”.

وانتمت العروض المقدمة إلى فرق مختلفة من دول شتى، منها مصر والإمارات والعراق والكويت والأردن وتونس والمغرب، وتلونت الأساليب والتيارات المسرحية المعاصرة والمبتكرة بألوان انطوت على التجديد المنشود في الطرح والتناول والجماليات والتقنيات، وهذا التعدد الذي عكس ثراء المسرح وتصدره متن صناعة الثقافة العربية في الوقت الراهن لم يتعارض مع حقيقة بدت زاهية دافئة في شتاء القاهرة البارد، وهي أن رجالات المسرح العربي من كل حدب وصوب “كلهم في الهم شرق”، وأنهم ملتقون من غير اتفاق مسبق على قلب رجل واحد.

“بإمكان الفن أن يصلح ما أفسدته السياسة”، عبارة تتردد كثيرا على سبيل الشعارية والتمني والافتراض، لكنها تحسست سبيلها إلى التطبيق الفعلي في عروض مهرجان المسرح العربي، فمن أفكار السلام والتسامح والإخاء والمحبة والطهر والشاعرية وإضاءة الشموع، كما في “ليلك ضحى” و”المجنون” (الإمارات) و”سلالم يعقوب” (الأردن) و”طائر” (مصر)، إلى اشتراك فنانين من دول مختلفة في عرض واحد، كما في مسرحية “الرحمة” (الكويت) من تأليف العراقي عبدالأمير شمخي، وإخراج الكويتي فيصل العبيد، الأمر الذي جعلهم يتظلّلون تحت مظلة الثقافة الجامعة والموحدة.

رجالات المسرح العربي الذين ارتحلوا إلى القاهرة من كل حدب وصوب اتفقوا على أن "كلنا في الهم شرق"

“بمقدور المسرح أن يتبنى قضايا سياسية ومجتمعية وإصلاحية، ويلتفت بعناية إلى المغبونين والمطحونين، والنساء المقهورات المُعانيات، ناكئا الجراح الجلية والخفية”، عبارة أخرى خرجت من حيّز “الظاهرة الصوتية” في عالمنا العربي إلى دائرة الفعل والإنجاز في عروض المهرجان، التي أحيت مفاهيم قديمة متجددة حول الدور المجتمعي والسمت الأخلاقي للفن.

تعمقت مسرحيات المهرجان في قراءة خارطة معاناة الشعوب العربية على نحو تفصيلي، فـ”الطوق والإسورة” (مصر) أبحرت في طبقات البؤس والحرمان السحيقة في أقصى صعيد مصر، مشرّحة كيف يقود الجهل والخرافة والانعزال إلى حالة تغييب كاملة.

وناقشت “الحادثة” و”مسافر ليل” (مصر) بجسارة خضوع المجتمع للقهر والظلم إلى درجة عبودية السلطة، في إطار تاريخي وفلسفي، بهدف الوصول بالظرف الخاص إلى منظور إنساني عام. بدورها، أثارت مسرحية “المعجنة” (مصر) قضايا بالغة الجرأة فضحت عورات المجتمع ومعاناته من الانهيار الأسري والانحدار القيمي وتفشي العلاقات المبتذلة وغير المشروعة وتصاعد السلطات الأبوية والدينية والكهنوتية والسياسية.

ولمست مسرحية “تقاسيم على الحياة” (العراق) مأساة الإنسان النازف في واقع دمّرته النزاعات الطائفية والسياسية والأزمات الاقتصادية، مقترحة إمكانية التمرد والتغيير من خلال استرداد الإنسان وعيه ومواصلته نضاله وقنصه حريته الحمراء بيد مضرجة.

وأطلقت مسرحية “ليلك ضحى” (الإمارات) صرخة مدوية في مواجهة طيور الظلام وقوى التطرف والرجعية، فاضحة ممارسات الإرهاب وأساليب جماعات الإسلام السياسي المسلحة، وداعمة قوى التحرر الإنساني في معركة الاستنارة، وتناولت “قمرة 14” (تونس) الحاضر المظلم في مرحلة ما بعد ثورة 14 يناير 2011، طارحة سبل الخلاص والعبور بطوق نجاة عقلاني إلى المستقبل.

وانتقدت مسرحية “عبث” (المغرب) بضراوة الأوضاع المجتمعية والسياسية في البلاد، متخذة من الفلسفة الوجودية والقضايا المصيرية مدخلا للإسقاط على الواقع المحلي المأزوم، ورصدت “سلالم يعقوب” (الأردن) تحولات الإنسان البريء إلى قنبلة انتقامية من المجتمع، الذي يعادي الفكر والإبداع، ويقتل الخيال، ويقف في سبيل إنجاز الحقوق وتفعيل الحريات.

وجاءت القضايا النسوية وأوضاع المرأة العربية قاسما مشتركا في العديد من المسرحيات من خلال زوايا ومشاهد متنوعة، حيث وردت على نحو مفصل في عرض توجه إلى المرأة مباشرة، هو “نساء بلا ملامح” (الأردن)، وقد اتخذ من المرأة كحالة خاصة معبرا لبلوغ أزمة القهر التي يعاني منها الإنسان، بهدف استثارة الوعي وتحرير الإرادة.

نوافذ الانفلات

{تقاسيم على الحياة}.. الجنون الإيجابي يقدم حلا
"تقاسيم على الحياة".. الجنون الإيجابي يقدم حلا

من أسرار نجاح مهرجان المسرح العربي أن عروضه سلكت في تعاملها مع مضامينها القيّمة مسارات متشعبة غير نمطية، آخذة في اعتبارها التحليق بأجنحة الجنون والفانتازيا والعبث والانفلات وغزو قلاع الواقع بأسلحة الخيال وتوليد الكوميديا السوداء في قلب المأساة.

وهذه المدارات كلها عكست إيمان المسرح العربي المعاصر بالحرية كقيمة مطلقة، وجاءت العروض متجذرة في لحم الأرض، ومنفتحة في الآن ذاته على التاريخ والأساطير، واتسمت بالحساسية والرهافة في المعالجة، كما انشغلت بالتفاصيل الحياتية الدقيقة، لتصل بالجرح المحلي الخاص إلى الهم الإنساني العام.

ودارت مسرحيات بأكملها حول الجنون كثيمة محورية، كما في “المجنون” (الإمارات) و”جنونستان” (الأردن) و”تقاسيم على الحياة” (العراق)، وليس المراد بالجنون الخلل النفسي أو العضوي، وإنما تبيان سمات الإنسان المختلف عن القطيع، وتفجير طاقات الثورية والتمرد، وشحذ الخيال المتقد، وتحطيم القيود المحيطة ودعم الرغبة في التحرر التام.

وانفتحت العروض على التاريخ والفانتازيا والأساطير في تقصّيها دقائق الأمور في الواقع المعيش، لإثبات أن الظروف السيئة تتشابه وتتكرر، ومن ثم فإن آليات مقاومتها ودحضها ونفيها خارج الزمن أيضا واحدة، وهي المتعلقة بالحرية والنضال والتمسك بالقيم الإنسانية التي لا تقبل التبديل.

وفي “ليلك ضحى” (الإمارات)، امتزجت الحقيقة بالخيال، واختلط الواقع بالأسطورة، وذلك في حكاية الشاب الإرهابي التي تداخلت مع دوره كممثل في مسرحية عن عنترة بن شداد، وفي “تقاسيم على الحياة” (العراق) بلغ الخيال مداه الأقصى في إذابة الحاجز بين العقل والجنون، والتقنّع والعُري، والمنطق والشطحات والممكن والمستحيل.

ومن خلال اللا معقول، بلغت مسرحية “عبث” (الإمارات) شأوا بعيدا في قراءة إحداثيات الواقع المفكك على نحو غرائبي، في محاولة لإيجاد حلول إيجابية لمشكلات الحاضر، قابلة للتطبيق.

وأحيت مسرحية “مسافر ليل” (مصر) الأحداث التاريخية القديمة، مستدعية نص الشاعر صلاح عبدالصبور وتصوراته حول الكوميديا السوداء والدراما السياسية، وتمكن العرض من فض الاشتباك بين أزمات ما بعد نكسة 1967، وكوابيس الواقع الراهن.

Thumbnail
16