الفن يمزّق الأقنعة ويقترح حياة أخرى

جورج بهجوري: غابت الحرية في مصر فضاع فن الكاريكاتير.
الجمعة 2019/12/13
استعادة أرواح عمالقة الماضي أملا في صياغة مصر جديدة

يمثل معرض الفنان المصري جورج بهجوري الجديد، المقام حاليا في غاليري “ليوان” بالزمالك بالعاصمة المصرية القاهرة، سائر محطات الفنان الزمانية على مدار أكثر من نصف قرن، ويتقصى تنقلاته النوعية بين الكاريكاتير والاسكتشات والتصوير والحفر والسجاد والكولاج وغيرها من مجالات إبداعه، مع التركيز على أعمال السنوات الأخيرة، التي تنوعّت بين اللوحات الزيتية الكبيرة وبطاقات الرسم الصغيرة.

القاهرة – لا يكتفي الفن الثري بتجسيد ما هو كائن أو استدعاء ما كان، لكن سؤاله الأصعب يبقى متعلقا دائما بما سيكون أو ما ينبغي أن يتحقّق، ولكل صاحب مدرسة أصيلة أو تيار فني خلاّق قدرته الاستثنائية على تخليق هذا العالم الموازي، الذي يمزّق فيه كل الأقنعة، ويقترح بين أرضه وسمائه سمات الحياة ووجوه الأحياء وفق رؤيته الفردية الخاصة.

ومن هؤلاء الفنانين أصحاب البصمة اللافتة، التشكيلي المصري المخضرم جورج بهجوري، ابن قرية بهجورة في نجع حمادي بأقصى جنوب مصر، الذي تنبع جذور أعماله من واقع محلي صرف، وشأن مصري وهمّ وطني ومجتمعي خالص، لكنه في الوقت نفسه يعقد رهانه الأول على التمرّد والتغيير والمخالفة، وربما السخرية والانتقاد، فالحياة ببساطة تستحقّ أن تُعاش، بتضخيم حلوها وتجاوز مُرّها، والصور اليومية القاتمة التي أمامنا، من حق الفن، وواجبه، أن يلوّنها ويُنعشها ويحقنها بمحفّزات الأمل والتفاؤل.

يحمل معرض “جورج بهجوري.. 88 عاما من الفن”، الذي افتتح مؤخرا بالقاهرة، ويتواصل حتى 2 يناير القادم، خلاصة تجربته الزاخمة، وتمثل أعماله الأخيرة رؤيته للواقع الراهن الذي لا يرضى عنه، وللبشر المقهورين المطحونين، الذين يحضهم على التماسك والمقاومة. ويرى الفنان في حديثه لـ”العرب” أن الحرية هي الحل في معترك الحياة، وأن الفن المتمرّد هو نافذة الخلاص ومفتاح استعادة الهوية الغائبة.

مآزق وحلول

جورج بهجوري: الفن مثل الواقع بحاجة إلى ثورة، والكفاح وقود الإبداع
جورج بهجوري: الفن مثل الواقع بحاجة إلى ثورة، والكفاح وقود الإبداع

 حفلت أعمال بهجوري الجديدة بالطاقة المشعة والحركة والصخب، والألوان المتفجرة، بما يوحي بالرغبة في اقتناص الحياة المتعثرة اقتناصا مباشرا بقبضة اليد، من بين أطلال العالم المنهار. وتسلل الفنان إلى فكرته من خلال تشبثه بأجواء السعادة ومشاهد المرح واللهو والغناء كالمقاهي، كرة القدم، حفلات أم كلثوم وفيروز، الأفراح، المناسبات الاجتماعية.. إلخ، في مواجهة معالم الحياة الاعتيادية التي صارت مقتصرة على الوجوم والكآبة والفردية واللهاث خلف لقمة العيش.

واقتصرت أعمال الكاريكاتير بالمعرض على رسوم استعادية، حيث لم يقدّم بهجوري الجديد في الكاريكاتير خلال الفترة الماضية، والذي كان واحدا من الكبار المتفرّدين في هذا المضمار، وعمل كرسام كاريكاتيري محترف ما بين عامي 1953 و1975 في مجلتي “روز اليوسف” و”صباح الخير” في العصر الذهبي لفن التهكم والسخرية والغوص تحت الجلد لكشف الأوجاع الكامنة.

وعن اكتفائه بالتصوير والرسم والكولاج، وبعده عن الكاريكاتير، يشير بهجوري لـ”العرب”، إلى أن الواقع المحيط له دور في اختيارات الفنان وتوجهاته المرحلية، ويقول “لا قيمة للكاريكاتير دون مناخ الحرية، وباختصار ووضوح فإن الحرية قد غابت في مصر، ولذلك ضاع فن الكاريكاتير، وصار بلا روح ولا تأثير، وما يُنشر منه حاليا في الصحف مجرد رسوم روتينية باهتة تفتقر إلى الجرأة والنبض ولا طائل من ورائها، طالما أنها غير مسموح لها بأن تناقش أمورا جوهرية ومصيرية”.

ويوضح الفنان المخضرم، أنه لهذا السبب اتجه إلى الرسم والتصوير والمعارض الحرة “لا داعي للمبالغة والتضخيم والمفارقة، فلن تقبل الصحف ذلك، وليكن البديل في فنون الواقع وما يفرزه من زخم”، ونصح الفنانين الشباب بأن يكونوا أكثر تمرّدا وشراسة، وبألاّ يستسلموا للأمر المفروض، قائلا “حركة الفن مثلها مثل حركة الواقع بحاجة إلى ثورة وتغيير، فلا فن بغير جرأة وحق في التعبير وإبداء الرأي وتوصيل الحالة بغير شروط. الحرية هي الحل لكل الأزمات”.

ويقترح بهجوري، الفن كحل آخر سحري للخلاص من المآزق، والفكاك من القيود، واستعادة الهوية الغائبة، والحيوية المفقودة، بشرط أن يكون فنا متمرّدا على قوانين الحياة ومشاهد الواقع السوداوية الكابوسية. ويضيف “من كفاح البشر ومقاومتهم وإصرارهم، ومن نبض الشارع، يستمد الفنان عزيمته، لكن عليه إيجاد الحياة الحقيقية وتمريرها لهؤلاء التعساء والمقهورين والمحرومين”.

عدوانية مبرّرة

معرض الفنان المصري المخضرم يعكس رؤيته للمتغيرات المجتمعية، ويدعو إلى استعادة البراءة والبهجة
معرض الفنان المصري المخضرم يعكس رؤيته للمتغيرات المجتمعية، ويدعو إلى استعادة البراءة والبهجة

يبرّر جورج بهجوري ما يمكن وصفه بالشراسة والعدوانية والتشويه في بعض لوحاته الأخيرة، إزاء تعاطيه مع شخصيات المجتمع المصري التي تستسلم لاحباطات الواقع والمتغيرات الطارئة، وترضى بابتلاع الهموم، ولا تسعى إلى التغيير واستبدال العزلة والتذمّر والعصبية بالبراءة والبهجة والدفء الإنساني والطمأنينة والمرح.

ويقول في حديثه مع “العرب”، “نعم، الشعب المنكسر السلبي الراضخ لا يعجبني، فلأهاجمه حتى يستفيق، ولأصوّر الحيوية والإيجابية، أعني الجانب الآخر من المشهد”.

وحول هذا الجانب المضيء، المشرق، المبهج، دارت أغلبية لوحات بهجوري الجديدة وبطاقاته الأخيرة، وهي أعمال تتعلّق بحق الشعب في أن يعيش ويسعد رغم كل الضغوط والإخفاقات، وتقترن لحظات السعادة لدى الفنان دائما بالانطلاق والانفلات والتمسّك بمقومات الشخصية المصرية القادرة على الابتسام والغناء في أحلك الظروف ومقاومة الآلام بالسخرية منها وتجاوزها.

ولجأ الفنان المصري إلى ضم الماضي والحاضر والمستقبل في منظومة واحدة، فهو يستعيد مصر زمان التي يفهمها ويعشقها، لبساطتها وعمقها وثرائها وأجوائها الاحتفالية وشخصياتها العادية البريئة وأيضا الاستثنائية المثقّفة، كما في اللوحة التي جمع فيها بورتريهات: طه حسين، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، سيد درويش، أم كلثوم، صلاح جاهين، عبدالحليم حافظ، محمود سعيد، وفي الوقت نفسه فإنه سعى إلى تحريف “مصر الآن”، التي يرفضها، وفق مخيلته الراقصة الزاهية، أملا في صياغة مغايرة لمصر الغد التي يحلم بها، قائلا “عاوز (أحب) الشعب يعيش، مش عاجبني (لا يعجبني) اللي جرى للمصريين”.

يعيد بهجوري الكثير من التحولات المجتمعية السلبية إلى تضييق هامش التعبير، وقسوة العوامل الاقتصادية التي قتلت الوقت وانتهكت الطاقة الإنسانية، فصار البشر عبيد احتياجاتهم اليومية.

ويشير إلى أن، “الناس يعانون ما يشبه الذهول واللامبالاة من فرط التعب والمكابدة، أتأمل هذه الهموم والمعاناة والأحزان في وجوههم، أتعجب من صعوبة ما جرى، أفتش تحت الأسطح عن الروح والنبض والإيقاع والجوهر الكامن، وأتمنى بريشتي وألواني أن أقدم القليل لأساعدهم في نزع الأقنعة”.

رؤية فنية
رؤية فنية 
الحياة الشعبية في الأقصر
الحياة الشعبية في الأقصر

17