الفن ينتصر

أما الفنانون الذين وضعوا أنفسهم وفنهم تحت سيطرة شركات تجارية لا ترى من الفن إلاّ جانبه الاستثماري، فإنهم حكموا على أنفسهم وعلى فنهم بالفناء.
الاثنين 2018/05/14
فان غوخ لن يكون سعيدا إذا ما حضر مزادا تُعرض فيه إحدى لوحاته للبيع

يؤكد التاريخ أن فنا تحت السيطرة لا يمكن أن يقوى على الحياة، ذلك لأنه لا يستجيب لشروطها، الحرية تقف في مقدمة تلك الشروط، تتطلب الحرية قدرا من البطولة لا يتوفّر لدى كثيرين، وهو ما يمكن أن يعقد المسألة.

فالراغبون في أن يحصلوا على المال مقابل أن يكونوا خدما هم أكثر من الذين يأنفون من أن يضعوا أنفسهم في خدمة الشر من أجل أن يكونوا مرفّهين، غير أن الحقيقة التاريخية التي وضعت الإسباني غويا في مكانة سامية تؤكد أن حرية الفنان لا يمكن أن تنتصر عليها سلطة الحاكم.

لقد ذهب الحكام الذين فرّ غويا بفنه من سيطرتهم حين قرّر الانحياز إلى الشعب في انتفاضته وبقيت لوحاته جزءا من سيرة خالدة، ما لم يعد يفهمه الكثيرون أن الفن الحقيقي يقع خارج ما يخطّط له أصحاب القاعات ومنسقو المعارض والمقتنون، وأن ما لا يليق بالفنان أن يكون خادما ومنفذا لرغبات طرف يتاجر بالفن، فالمال لا يصنع فنا، العكس هو الصحيح، وهو ما صار يغري الكثيرين في الدخول إلى عالم الفن، لذلك كثر الطفيليون في عالم الفن.

ولهذا يمكنني القول إن فنسنت فان غوخ لن يكون سعيدا إذا ما حضر مزادا تُعرض فيه إحدى لوحاته للبيع، ملايين الدولارات التي تُقدم ثمنا لواحدة من لوحاته لن تشكل إغراء له من أجل العودة إلى باريس التي تركها من أجل أن يكون فنانا حرا.

فنسنت الذي سطا التجار على إنجازه الفني بعد موته، عاش حياته حرا ولم يبع إلاّ لوحة واحدة، لقد أدرك في وقت مبكر من حياته أن الفن هو الحرية التي كان عليه أن يدفع ثمنها.

أما الفنانون الذين وضعوا أنفسهم وفنهم تحت سيطرة شركات تجارية لا ترى من الفن إلاّ جانبه الاستثماري، فإنهم حكموا على أنفسهم وعلى فنهم بالفناء، فالنصر الذي يحقّقه المال هو نصر مؤقت، الفن هو ما ينتصر في النهاية.

16