الفهارس خرائط المعرفة

الفهارس تمثل مصدرا لرسم شجرة النسب المعرفي لصاحبها، وعبرها خارطة مسارات تدفق العلوم والمعارف وانتقالها من عالِم إلى آخر.
السبت 2019/06/22
الفهارس نقطة التقاء (لوحة للفنان علي رضا درويش)

خلال قرون طويلة، ظلت كتابة فهارس العلماء تقليدا هاما، يعكس تقاليدَ تعليمية ترتبط بالحرص على الاتصال بأسانيد الشيوخ، وعلى “حفظ العِلْم وجمع شتاته”. كما تشكل هذه الفهارس مصدرَ معلومات يمنح إمكانية رسم شجرة انسياب المعرفة ومسارات تداولها.

ويقوم حضور الفهارس على عاملين أساسين، على الأقل. ارتبطَ أولهُما بحركية التعليم التي عرفها المغرب، سواء من خلال إسهام جامعة القرويين أو غيرها من مراكز التدريس. بينما يكمن العاملُ الثاني في خصوصية التراكم الذي حققهُ التأليفُ في مجال الفهارس، والذي تمتد جذورُه إلى بداية القرن الخامس الهجري. وهو تراكمٌ، يمكن التمييز في إطاره بين ثلاث مراحل كبرى.

تمتدُّ الأولى من القرن الخامس الهجري إلى نهاية القرن الثامن الهجري، وتحتفظ، حسب الباحث المغربي عبدالله المرابط الترغي في كتابه “فهارس علماء المغرب”، بعلامات، تتجلى أهمها في التبعيةِ المنهجية للفهرسة الأندلسية، من حيث التبويب وطريقة ذكر الشيوخ. كما تتسم المرحلة باحتفاظ الفهرسة المغربية، في الآن نفسه، بخصوصية طريقة صنعِها وكتابتها، وباتسامها بطابع الاختصار، مع التوجه، عند بعض العلماء، نحو كتابة فهرسة العَلَم الواحد وفهرسة رجالات سَنَد المصنف الواحد.

وتمتدُّ المرحلةُ الثانية من بداية القرن التاسع الهجري إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري. وتتحدد سماتها، حسب الأدبيات، في هيمنة الإجازات على مستوى الفهارس، ومن ذلك فهرسة أبي سالم العياشي الموسومة بـ“تحفة الأخلاء في أسانيد الأجلاء”، وفي الاتجاه بالفهرسة نحو علم الدراية، من خلال الحرص على “وصف أيام الدراسة ومجالس الشيوخ وتحديد المصنفات”، وأيضا في اعتماد الفهرسة على نصوص الإجازات، ثم في التركيز على التصوف وذكر رجال البركة.

واتسمتْ المرحلةُ الثالثة بتحول هَمَّ خصوصا مجالَ تداول الفهارس، حيث فتح دخول الطباعة الحجرية إلى المغرب، خلال نهاية القرن التاسع عشر، هامشا لتجاوز جانب من تقاليد الكتابة في المجال وتداولها. ولم تَعُدْ، بذلك، الفهارسُ، بما فيه الإجازات، شأنا بين المؤلِّف وبين شيوخه. بينما فتحت العودةُ إلى نصوصها، في إطار التحقيق والنشر والترجمة، أفقا آخر لتمثل شجرة المعرفة، التي تُمكن من رسمها مؤلفاتٌ كمؤلفات الفهارس.

ولعل ذلك ما يفسر الاهتمام الغربي بنص وهو “فهرسة ابن عجيبة”، حيث شكّل العملُ نقطة لقاء بين صاحبه وصوفي آخر، وهو الفرنسي جون لويس ميشون، وإن كان يفصل بينهما قرنان من الزمن، حيث شكلت لحظة تعرفه على سيرة وأعمال ابن عجيبة لحظة فارقة في مساره الروحي وأيضا العلمي، إذ اختار أن ينجز بحثا لنيل الدكتوراه في موضوع “فهرسة الصوفي المغربي ابن عجيبة”.

وخارج هذه الحالة، لم تكن الفهارس تدوينا فقط لأسماء الشيوخ، بل شكلت تعبيرا عميقا عن قِيم العرفان والوفاء للسابقين من العلماء، والوفاء للشيوخ والوفاء للمجايلين. في الوقت الذي يختار الكثيرون، في الوقت الراهن، القطعَ مع التراكمات المعرفية السابقة أو المزامنة لهم، عبر الصمت عن مصادرهم العلمية والإبداعية، وعبر الانتصار لوهم قتل الآباء، مع أنهم لا يستطيعون إحياءَ فكرة جريئة صغيرة.

وفوق ذلك، ظلت الفهارس تمثل مصدرا لرسم شجرة النسب المعرفي لصاحبها، وعبرها خارطة مسارات تدفق العلوم والمعارف وانتقالها من عالِم إلى آخر، وهو أمر ينسجم بالتأكيد مع طبيعة المعرفة القائمة على التراكم.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع البحث العلمي، في الغرب بشكل خاص، إلى الانتباه، ابتداء من ستينات القرن الماضي، إلى الاهتمام بالاستشهادات المرجعية، باعتبارها وسيلة لتقييم حركية الإنتاج المعرفي والعلمي. وسيشكل هذا الاهتمام بالاستشهادات مجالا علميا مستقلا له مناهجه، وعلى رأسها المنهج الببليومتري القائم على تطبيق الإحصاء على الإنتاج المعرفي المكتوب، وأيضا طرقه الخاص في البحث ومؤشراته وقوانينه الخاصة. ولعل من أشهرها مؤشر “عامل التأثير”، الذي كان قد صاغه، قبل أكثر من خمسين سنة، الباحث الأميركي ايوجين جافريد، مدير المعهد العلمي للمعلومات الشهير.

ويقوم المؤشر على قياس أهمية المجلات بناء على عدد الاستشهادات بمقالاتها من طرف المجلات الأخرى، وذلك بالاستعانة بقواعد المعطيات الكبرى وبالتقارير التي تغطي الإنتاج المعرفي، ومن بينها، من جهة قاعدة “سوبوس”، التي تتميز بتغطيتها سواء للمجلات أو الكتب أو أعمال الندوات. ومن جهة أخرى، “تقارير استشهاد المجلات”، التي تقدم إحصائيات، من خلال طبعتيها السنويتين الخاصتين بمجالي العلوم والعلوم الاجتماعية، عن المجلات العلمية المحكمة، مع إثبات معامل التأثير لكل مجلة.

والأكيد أنه بالرغم من أهمية هذه المقاربة، فإنها لا تخلو من ثغرات. ولعل أهمها اتجاه أغلب قواعد المعطيات نحو حصر تغطيتها بشكل أساس على الإنتاج المكتوب باللغة الإنكليزية على حساب اللغات الأخرى، والتركيز المفرط على الأرقام، على حساب القيمة الفكرية والعلمية لما ينتج، وأيضا إمكانية استفادة ترتيب المجلة من إمكانياتها المكرسة لعملية التعريف بالمجلة والبحث عن طوابير الكُتاب.

وفوق ذلك، لا يمر الأمر من دون حوادث. قبل سنوات، تعمدت المجلة العلمية “فوليا فونياتريكا” الاستشهاد بمجمل مقالاتها المنشورة خلال سنتين، وذلك ضمن افتتاحية المجلة، بهدف الرفع من ترتيبها، في إطار نوع من التحايل. ولا يقل عن ذلك تحريض ناشري عدد من المجلات لكُتابها على الاستشهاد بأنفسهم، بحثا عن مكان متقدم فوق بوديوم المجلات الكبرى.

15