"الفهد الأسود".. فيلم هوليوودي ينتصر للثقافة الأفريقية

يبدو واضحا أن صنّاع الفيلم أرادوا استخدام الرمز القديم الذي يعرف بـ"القوة السوداء"، لمقاومة عنصرية الشركة الأميركية، ومواجهة العنف بالعنف.
الثلاثاء 2018/04/24
صراعات مدفوعة بالغيرة والتنافس

في فيلم “الفهد الأسود” Black Panther الذي أخرجه ريان كوغلر، الكثير من العنف والنزاعات المسلحة والصراعات المدفوعة بالغيرة والتنافس، لكن العنف الذي تلجأ إليه قوى الخير مضطرة يدفع في اتجاه مقاومة الشر والانتصار للحضارة الإنسانية وحمايتها من الدمار.

ليس هناك شك في أن فيلما رصدت له ميزانية بلغت 200 مليون دولار، وسُخرت له أحدث أدوات تكنولوجيا الصورة والمؤثرات، يتميز بالكثير من الإبهار، وهو ما يصل في الكثير من المشاهد إلى تحقيق أقصى ما يمكن أن يتولّد من الخيال الجامح القريب الشبه كثيرا بمجلاّت الرسوم الملونة بقصصها المثيرة وأبطالها الخرافيين، لكن هذه المرة جميع الأبطال -بل والأشرار- من السود الأفارقة.

أما الرجل الأبيض فهو لص يسرق ويبيع السلاح، مجنون يهذي ويضحك وهو يتطلع إلى صورته في المرآة، يقع في شر أعماله وهو يضحك ويسخر كالأبله. أما الرجل الأبيض الثاني -والأخير- في الفيلم، فهو ضابط وطيار وعميل للمخابرات المركزية الأميركية، يحاول أن يساعد مملكة ويكاندا وملكها الجديد الشاب الذي يتولى العرش بعد وفاة والده، ليقود هذه المملكة التي حققت تقدّما علميا هائلا سبقت به العالم، خاصة وأنها أصبحت تسيطر دون غيرها من الأمم، على مادة “فيبرانيوم” الخارقة التي تكفل لأصحابها التسلح بقوة أسطورية قادرة على تحقيق المعجزات.

الملك الشاب يواجه تحديات، ولكن ليس من العالم الأوروبي- الأميركي، بل من داخل مملكته، من القبائل المنافسة، ومن قبل ابن عمه الشرير، وهي تحديات تتجلى في أقصى أشكال العنف، فهناك الشرير الذي يحاول السيطرة على المملكة لكي يعلن الحرب على باقي العالم بغرض التوسع، بينما الملك الشاب الجديد المسالم الطيب القلب، يرغب في جعل مملكة ويكاندا تعيش في سلام مع جيرانها ومع العالم، تحتفظ بقوتها لنفسها، وتضرب مثالا في التعاون الإنساني. وهو يوافق على اقتراح شقيقته بضرورة فتح الأبواب أمام اللاجئين المشرّدين، وتقديم العون للمحتاجين في إشارة عصرية واضحة إلى قضية اللاجئين والموقف منها.

للسود قوى خارقة أيضا
للسود قوى خارقة أيضا

والحقيقة أنه من الممكن اختصار هدف الفيلم في النقاط الثلاث التالية، أولا، تأكيد القوة الأفريقية السوداء والثقافة الأفريقية باعتبارها الأصل الذي أغفل طويلا خلال قرون الاستعباد والاستعمار، والإعلاء من شأن الإنسان الأفريقي، وتقديم صورة جديرة بالاحترام لتراثه الثقافي وأساطيره (الإيمان بأن أرواح الأسلاف مثلا تتجسد في أجساد الفهود السود)، وتصوير امتداد العلاقة بين الأب والابن حتى بعد موت الأب، والقدرة على تقديم العون (العلاج الطبي مثلا) حتى للقادمين من الخارج، إلى عميل المخابرات الأميركية الذي كاد يموت لولا تكنولوجيا ويكاندا الخارقة التي أمكن بفضلها إعادته للحياة!

ويهدف الفيلم من ناحية ثانية إلى تقديم طرح جديد في مواجهة أبطال القصص الخيالية الأميركية والغربية عموما مثل سوبرمان وباتمان وجيمس بوند وغيرها، أي الأبطال البيض الغربيين، فيعرض الفيلم أبطالا (وبطلات أيضا) من السود الأفارقة، ولكن ليس في نطاق التوجه إلى المشاهدين السود فقط، بل لمشاهدي العالم كله، أي أن الفيلم مصنوع كما لو كان ردا مباشرا على أفلام مثل “ثور” و”عودة الجيداي” و”كابتن أميركا”.

والخيال لا يجب أن يقتصر على البيض، خاصة وأن الثقافة السوداء تتضمن الكثير من الأساطير الممتدة في عمق التاريخ، وقصص البطولات والمغامرات التي تصلح لجذب جمهور السينما ودفعه لتغيير وجهته.

وثالثا يطرح الفيلم مسألة الجندر، أي نوع الجنس (ذكر/ أنثى)، ففي مقابل “المرأة الخارقة” البيضاء Wonder Woman لدينا في الفيلم نفسه أكثر من امرأة خارقة تردّ على الخارقة البيضاء وتتفوّق عليها بأسلحة حديثة قادمة من أعماق الأدغال، حيث توجد مملكة ويكاندا التي تحتوي على ناطحات سحاب، ولكن مصممة بطريقة مختلفة عن ناطحات السحاب الأميركية.

وفي الفيلم الكثير من المشاهد المنفذة بحرفية عالية والتي تلعب فيها كالعادة المؤثرات الخاصة البصرية الدور الأساسي، ومن ذلك: مشهد المطاردة بالسيارات، وطيران الأشخاص في الفضاء والقفز فوق السيارات المسرعة، ومشهد العراك السريالي قرب النهاية، والقفز في أعماق البحر ثم الصعود بقوة “فيربرانيوم” الخارقة إلى أعلى، وهي مشاهد لا شك أنها ترضي جمهور الفيلم من المراهقين والمدمنين على ألعاب الكومبيوتر، بل وحتى أبناء الأجيال الأقدم نسبيا من مدمني قراءة المجلات المصوّرة.

إشارات عصرية إلى قضية اللاجئين والموقف منها
 إشارات عصرية إلى قضية اللاجئين والموقف منها

كما يتميز الفيلم بتصميماته المدهشة للأماكن التي يدور فيها التصوير، وبتصميم الملابس التي تمنح كل قبيلة وفصيلة من الفصائل سماتها الخاصة، لكن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الفيلم تكمن كالعادة، في أن مادة الفيلم الدرامية شديدة السطحية، تخلو من الرموز العميقة، باستثناء ما ذكرته من دلالات مباشرة، كما أن الحبكة لا تتطوّر، والصراع بين الشخصيات يبدو صراعا نمطيا ساذجا ومحسوما في النهاية لصالح البطل الطيب الذي لا يموت بالطبع مهما واجه ورفاقه من ضربات قاتلة.

وحرص مخرج الفيلم وصناعه على جمع عدد كبير من الممثلين السود من أصول أفريقية بلهجات مختلفة من كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا، مع الحرص على استبعاد لهجة السود الأميركيين، للتأكيد على هوية الفيلم وانتماء موضوعه إلى الثقافة الأفريقية، لكن الواضح أن هذا الاختيار ترك تأثيره الكبير على مستوى الأداء التمثيلي الذي تراوح بين الجيد والنمطي، ربما بسبب نمطية معظم الشخصيات بما فيها شخصية “زوري” التي يؤديها فورست ويتيكر.

كل هذا ليس مهما بالطبع، طالما أن الفيلم يصل لجمهوره المستهدف ويحصد كل ما يحصده من إيرادات هائلة في شباك
التذاكر، ولكن لا شيء يبقى في الذاكرة، فتاريخ أفلام التسلية يعيد نفسه باستمرار، و”الفهد الأسود” في النهاية ليس فيلما عن المثل العليا والفن الرفيع، بقدر ما هو فيلم عن المال وطعم المال.. الذي يذهب في النهاية، إلى جيوب منتجي هوليوود بالطبع!

16