الفهم الصحيح للمواطنة حل لأزمة الطوائف والأقليات

الأربعاء 2016/08/31

يختلف الكثيرون حول أسباب وخلفيات الربيع العربي والسياسات المساعدة له، لكن وبقدر الاختلاف هناك تأكيد جماعي على أن أهم عامل وراء هذا الحدث هو أن الشعوب التي ثارت وتلك التي أيدتها، كانت تبحث عن شيء فقدته منذ سنوات طويلة، تلك الشعوب كانت فاقدة للإحساس بالمواطنة.

لكن، وهذه الشعوب في طريقها نحو البحث عن هذه المواطنة المفقودة وتحقيقها، أضاعت حتى ما كانت تملكه من أدنى مقومات هذه المواطنة، التي غابت في خضم صعود الطائفة وتفتت الأوطان على وقع القوميات واستقواء الأقليات.

ودفع تطور الأحداث السياسية باتجاه صعود الهويات الإثنية والعرقية في المنطقة العربية، ما أدّى إلى وقوع مواجهات مسلّحة بين مختلف المكوّنات الاجتماعية في البلد الواحد. وبيّنت الأحداث والصراعات المتصاعدة في السنوات الأخيرة أن هناك تقصيرا في الإدراك السائد لمفاهيم الدولة والمواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ويبدو أن هناك راهنية لاستئناف النظر في الفلسفة الجمهورية لبناء المواطنة طبقا لقيم الجمهورية لما يتهدد الجمهوريات العربية من مخاطر الانقسامات العمودية على أسس طائفية أو عرقية وإلغاء فكرة المواطنة لصالح الانتماء إلى جماعات ما قبل الدولة الحديثة، ما يدفع إلى التساؤل حول هل لا يزال بناء دولة المواطنة ممكنا؟

من هذا الموقع سنفحص فكرة المواطنة في المدارس الفلسفية المعاصرة من خلال ثلاث وجهات نظر مختلفة هي الليبرالية والجمهورية والجماعاتية.

تنظر الليبرالية إلى المواطنة بوصفها مجموعة من الحقوق التي يتمتع بها المواطنون بالتساوي. وتعتبر أن الحكومة مُلزمة بالحفاظ على هذه الحقوق. ويمكن للأغلبية أن تبقى مهتمة بشؤونها الخاصة طالما يتم احترام حقوق الآخرين، أما أولئك الذين يشاركون في السياسة فإن ما يهمهم بالدرجة الأولى هو ضمان الخير والمصالح وأن لا تُنتهك الحقوق الأساسية للشعب.

أما المفهوم الجمهوري للمواطنة فله متطلبات أكثر من ذلك، فهو يتبنى المفهوم الليبرالي للمواطنة كمجموعة من الحقوق ويضيف إليه فكرة جديدة وهي أن على المواطن أن يندمج في مجتمعه السياسي، ويلتزم بتعزيز الخير العام من خلال المشاركة الفعالة، ولكن ماذا لو لم يلتزم المواطن بهذا التصور؟

الرأي الجمهوري هنا هو أن لا يُفرض على المواطن قسرا، فالعنصر الليبرالي في الفكر الجمهوري المعاصر هو أن الدولة لا تعاقب أولئك الذين يرفضون المشاركة في الشأن السياسي وأن المواطن الجمهوري يؤازر تحقيق المصالح العامة طوعيا في المجتمع الحديث.

تأتي مساءلة الليبرالية لهذه الرؤية السياسية من موقع، قد تكون المواطنة الجمهورية فيه ملائمة لمجتمعات سياسية صغيرة يتقابل أفرادها وجها لوجه كأصدقاء، لكنها غير واقعية في ما يتعلق بمجتمعات كبيرة منقسمة لطبقات عديدة وطوائف وإثنيات مختلفة لم تتفق مسبقا على معنى محدّد للخير العام، بل إن ما يوجد هو مصالح متنافسة، وغاية الطموح هو أن يتمّ الوصول من خلال نظام سياسي إلى تفاوض بطريقة منصفة حول هذه المصالح. وعلى الأقل فإن للسياسة الديمقراطية الليبرالية فضيلة السماح بقيام ائتلافات في أوقات مختلفة، إذ يمكن للخاسر أن يفوز في وقت آخر. ولا نتوقع أن يخصّص الناس كثيرا من وقتهم لأجل المشاركة السياسية، إذ أن المجتمعات المعاصرة لا يمكن أن تتشكل من خلال الشعور الغامض بالثقة المتبادلة والهوية المشتركة التي يرى فيها التصور الجمهوري ما يحقق المواطنة بالفعل.

الردّ الجمهوري على الاعتراضات الليبرالية هو أنه يمكن للدولة/ الأمة أن توفر تلك المصالح والخير العام عبر الوطنية التي تصون التكافل بين الأعداد الكبيرة من السكان في دولة/ أمة كبيرة، وليس ضروريا أن يوافق هؤلاء الناس على القيم الأساسية لكن عليهم أن يحلوا تلك الصراعات من خلال مناقشة مفتوحة وغير إجبارية، وعندها يمكنهم الوصول إلى أحكام متفق عليها.

وإذا كانت هناك جماعات تدافع عن مصالحها الخاصة فلا يمكنها أن تلجأ إلى تلك المصالح لتبرير دفاعها عنها، بل عليها تقديم أسباب مقنعة إلى الذين لا يتفقون مع تلك المصالح. وعلى كل حال فنجاح أي مطلب خاص سيعتمد على مدى قرب تعبيراته أو بعدها عن الروح السياسية العامة للمجتمع. والمشكلة هي أن الاتفاق حول مبادئ العدالة الاجتماعية فقط لا يُترجم إلى اتفاق بشأن عدالة توزيع فعلية للخيرات والمنافع طبقا لمقدار قيمتها في المجتمع.

قامت الجماعاتية، من جهتها، برد فعل نقدي يستند على تبصّرات أرسطية وهيغلية إزاء دعوات إقامة الحقوق على أساس النظرية الليبرالية، فقد رأى المفكرون الجماعاتيون أن النظرية الليبرالية تقوم على مفهوم فرداني مفرط للذات، وأن المنفعة تأتي في المقام الأول، لكنها تهمل حقيقة غالبا ما تحدد ذواتنا من خلال روابط جماعية (مثل الروابط العائلية والدينية).

يشكك الجماعاتيون في افتراض الليبرالية أن المهمة الأساس للحكومة هي ضمان الحريات والملكية الفردية، إذ قد تكون هناك حاجة لمساندة وتعزيز أشكال أخرى من الحياة الجماعية ضرورية لعلاقاتنا الاجتماعية ومعنى وجودنا. لكن النقطة الأساس هي أن الحرية لا تتحقق آليا في المجتمع. ولأن الحريات الأساسية مضمونة في الديمقراطية الليبرالية، فيجادل الجماعاتيون بأن المهمة السياسية الأساس هي ترسيخ الوسائط السياسية التي تكبح تآكل الحياة الجماعية.

ومن وجهة نظر الجماعاتية، المشكلة الأساس هي أن بناء المواطنة طبقا للتصور الجمهوري مثل تهديدا قد يسحق كل الروابط الجماعية الأخرى. فطبقا للتصور الجمهوري إالأمة مجتمع الواجب والالتزام. وهذا يعني أن يكون كل شخص مستعدا وراغبا في التضحية من أجل وطنه، ويشارك الآخرين من خلال النقاش السياسي في صياغة اتجاه المستقبل لمجتمعه.

لا يوافق الجماعاتيون على هذا التصور الجمهوري، فإعطاء الأولوية للمواطنة الفعالة قد يؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية الأخرى، وقليل من الناس من لديهم النشاط والوقت الكافي ليكرسوهما لها. لكن قد تكون هناك مجتمعات يرغب الناس فيها أن يكرسوا أنفسهم للالتزامات الاجتماعية ويتركوا صناعة القرار السياسي لنخبة تمثل الروح العامة للمجتمع. فمن غير الملائم في مجتمعات الديمقراطية شجب أو إدانة أولئك الذين يغيبون عن المشاركة السياسية لأنهم ملتزمون بروابط اجتماعية أخرى، فقد يقول أحدهم أكرس وقتي تماما للعائلة والطقوس الدينية.

تبدو هذه النسخة الضعيفة من المواطنة إشكالية أيضا من وجهة نظر بعض الأقليات، لأنهم يرون فيها ميلا لصالح الثقافة السياسية المهيمنة للجماعة ذات الأغلبية.

لكن يبقى هذا الشكل الضعيف من المواطنة الجمهورية مطلوبا من قبل المواطنين الذين يؤيدون المشاركة السياسة، لكي تترك مجالا لتأكيد المسؤوليات المشتركة الأخرى ولا سيما التي تتعلق بالمسائل الكبرى.

وخلاصة القول؛ حتى هذه الصيغة الضعيفة من المواطنة الجمهورية تبقى قوية من وجهة نظر الجماعاتيين لأنها تبرر تنافس الالتزامات المشتركة في حالات الصراع.

من وجهة نظري، المفهوم العملي والمرغوب فيه لبناء الأمة (الشعب) على أساس المواطنة الجمهورية سوف يحتفظ بالعنصر السيكولوجي ويطرح العنصر السلوكي؛ ذلك لأن، أكثر المواطنين يمتلكونه بشكل كامن فيهم، ويعبر عن نزعة أو روح عامة، ولكنهم سيكونون غير فاعلين في الشأن السياسي.

إن تصور روح مواطنة عامة يمكن أن يحفظ مصالح الجمهورية دون عوائق، وسيمثل الخير العام بالنسبة إلى المواطنين الحافز على المشاركة السياسية، لكن على ألّا تشغل السياسة حياتهم، وعندها سيجد الناس وقتا ليفوا بالتزاماتهم التي لا تمثل السياسة أولوية فيها.

كاتب عراقي

7