"الفواتح" في العراق مناسبات للتباهي بالثراء وسلطة العشيرة

“الفواتح” تعني مجالس العزاء وهي تقليد عشائري أصبح مثيرا للجدل في المجتمع العراقي، خاصة لما تتطلبه من بذخ ورياء في مجتمع فقير يعاني أفراده لتوفير أبسط متطلبات العيش.
السبت 2018/07/14
الوجاهة للرجال والحزن للنساء

بغداد- يقول المُسنّون في العراق إن العزاء ولوازمه هما من شؤون الأحياء، ولا علاقة للميت بما يحدث في معزّاه. وأصبح العزاء الذي يطلق عليه في العراق اسم” الفاتحة” وسيلة أهل الميت وعشيرته للتباهي بالثروة والجاه والقوة.

وأقيمت أكثر من فاتحة في أحياء العاصمة بغداد لفقراء لم يكونوا يملكون ثمن العلاج، ولكن لإقامة الفواتح لهم بعد موتهم استدانت عائلاتهم من الأقرباء والمعارف أكثر بكثير مما كان يتطلبه علاجالمرحوم.

وتختلط في الفواتح مشاعر الحزن على الميت بمشاعر الزهو والفخر بكثرة الإنفاق على الفاتحة، وأنواع الأطعمة المقدمة للمدعوين، وشكل خيمة العزاء واتّساعها. وكذلك ما تم وضعه فيها من أجهزة تبريد وصوت وأثاث للجلوس، وعدد القهوجية الذين يخدمون المعزّين، وعدد الطباخين الذين يتم استخدامهم في إعداد مختلف الأطعمة لثلاثة أيام، وربما يمتد العزاء لسبعة أيام.

ويتباهى أهل الميت أمام المعزّين بكثرة الطعام ونوعيته، والذي يتم كبَّ الفائض منه بعد ذلك في مزبلة الحي بعد كل وجبة. وقد صارت الفواتح من وسائل أهل الثراء الجدد من المسؤولين الحكوميين للترويج لأنفسهم، لدى أهل الحي الذي يقام فيه العزاء.

وحالما يسمع المسؤول بخبر الوفاة، وإقامة خيمة العزاء يهرع لزيارة المعزّى بعدد من سيارات جي.اكس.آر -سيارات لاندكروزر، ويُطلق عليها العراقيون تسمية “جكسرات”- حاملة الأتباع والحراس. ويسبق بعضهم لإخبار صاحب العزاء بقدوم المسؤول. وعادة يكون المسؤول بأتم هندام ـ-ملابس أوروبية وفوقها عباءة عربية- وربما يمسك بيده عكازاً له قبضة من الذهب.

وقد يتفاجأ صاحب العزاء بمجيء أكثر من مسؤول في وقت واحد، خصوصاً في موسم الانتخابات.

صراع على المصالح
صراع على المصالح

وعندما تكون بين هؤلاء المسؤولين منافسة سياسية أو صراع على المصالح، تقع مشادَّات بين الأطراف الحاضرة تصل أحياناً إلى حد إطلاق الرصاص بينهم، ما يتسبب في إصابة الحاضرين.

يقول أمير السوداني (30 سنة) -من متساكني منطقة الشعب ببغداد- لـ”العرب” “قبل شهور في أحد عزاءات مدينة الشعب، وبسبب الحزازيات السياسية قبل الانتخابات الأخيرة حدثت مشاجرة بين مسؤولين حضرا العزاء مرفوقين بحراسهما الشخصيين، وأصيب خلالها ابن المتوفى بطلق ناري عشوائي في بطنه، وكسرت قدمه أثناء سقوطه، وأصيب عدد من الحاضرين، والمارة في الطريق، وتحولت خيمة العزاء إلى مكان لفضِّ النزاعات العشائرية بين المسؤولين وعشائر الجرحى”.

يقول الحاج محمد سبهان (70 سنة) -متقاعد- لـ”العرب” “الفواتح في بغداد تحولت إلى أماكن للتفاخر بين العشائر، ولذلك ارتفعت نفقات الفاتحة الواحدة إلى عشرة ملايين دينار (الدولار يساوي 1200 دينار)، هذا بالنسبة إلى عائلة المتوفى الفقيرة، وقد تصل النفقات في بعض الفواتح، -لمن هم أكثر سعة في العيش- إلى عشرين مليوناً”.

ويلخص سبهان نفقات الفاتحة بقوله “مليونان لكراء الخيمة أو الجادر، لمدة ثلاثة أيام، ويتضاعف المبلغ إذا تم كراء خيمة أخرى للنساء، ونصف مليون لكراء مبردة هواء كبيرة، ونصف مليون لكل طباخ، وفي العادة يقوم بالطبخ طباخ وإثنان من المعاونين له، ويستعان بقهوجيين أو ثلاثة، لإعداد القهوة والشاي وتوزيعهما على المعزّين، وثلاثة من ‘العلاسين’ وهؤلاء مهمتهم معرفة المعزّين، والتنبيه إلى القادم للمعزّى إنْ كان من الغرباء عن الحي، أو من الذين أوضاعهم مريبة، إذْ يهرعون لتفتيشه خارج مكان العزاء خوفاً من أن يكون مرتدياً حزاماً ناسفاً، وهؤلاء الثلاثة يعتبرون أنفسهم من الفدائيين، لذلك فأجرة الواحد منهم اليومية لا تقل عن مئة وخمسين ألف دينار، وهم في العادة من سكان الحي، ويعرفون سكانه. أما نفقات الذبائح وأكياس الرز وسلال الخضروات والفواكه، وغيرها، فهذا موضوع آخر”.

ويقول الشيخ محسن كريم (50 سنة) -إمام مسجد في منطقة بغداد الجديدة- “الإسراف في حياتنا صار عادة يومية للأسف، وبالرغم من أن نسبة الفقر مرتفعة في المجتمع العراقي، إلا أن التباهي وحب الظهور لا يزالان في نفوس البعض. وهذا يدل على قلة الإيمان، لأنَّ الموت مصيبة قبل أن يكون مناسبة للزهو أمام الآخرين، قال تعالى ‘إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الْمَوْتِ’، فالموت فاجعة، ويكملها الأحياء بالإسراف في نفقات العزاء”. ويضيف “أعرف عائلة فقيرة مات معيلُها، وكان سائق سيارة أجرة، فاضطرت إلى تسديد ديون الفاتحة ببيع السيارة، التي هي مصدر رزقها، وبقيت تتكفّف الناس.

وقد منعت المراجع الدينية في العراق ما يسمى بـ’الفضل’ وهو مبلغ مالي يدفعه المعزيّ إلى صاحب العزاء لإعانته على دفع تكاليف العزاء، وذلك لكثرة حوادث الموت في العراق نتيجة الحروب والتفجيرات والأمراض، وحوادث الطرقات، مما أدى إلى تهرّب البعض من الحضور إلى العزاءات، لأنهم لا يملكون هذا ‘الفضل’ وتسبب هذا في قطع صلة الرَّحم في الكثير من العائلات”.

في الفواتح تختلط مشاعر الحزن على الميت بمشاعر الزهو والفخر بكثرة الإنفاق
في الفواتح تختلط مشاعر الحزن على الميت بمشاعر الزهو والفخر بكثرة الإنفاق

وأضاف كريم “ولم تكتف المراجع الدينية بهذا المنع بل وضحت أن من الأمور المكروهة دينياً الأكل خلال العزاء، من قبل سكان المدينة نفسها، وأجازت ذلك لمن يأتي من مدينة بعيدة لتعزية أهل الميت.

 وكل هذا لم يحدّ من نفقات الفواتح، وأهل الرأي يشيرون إلى ضرورة إقامة الفواتح في المساجد في فترة ما بعد الظهر، ويقتصر فيها على تقديم القهوة
والشاي”.

وذكر علاء المحمداوي (27 سنة) -من ميسان- لـ”العرب” “من الصعب أن يتخلى الناس عن عاداتهم، لأنَّ في الفاتحة يتم إظهار الألفة والمحبة بين أفراد العشيرة، ومساندتهم لقريبهم، الذي حلت ببيته فاجعة الموت.

ويضيف “لقد ذهبتُ قبل أيام إلى إحدى الفواتح، وهالني هناك ما عرفته من صاحب العزاء عن مبالغ تأجير معدات الفاتحة، كالخيمة وأواني الطبخ ومبردات الهواء. فنشرت نداءً في صفحتي على فيسبوك لأصحاب هذه المحلات أدعوهم فيه إلى ضرورة مراعاة الناس، وألا يضيفوا إلى مصيبة الموت عند الناس خراب بيوتهم، وقد استجاب عدد منهم، وتعهدوا بمراعاة الناس في الأسعار، وثبتوا أرقام هواتفهم مع ردودهم الطيبة”.

واقترح حسين البيضاني (65 سنة) -شيخ فخذ السليم ببغداد- أن تقوم كل عشيرة بإنشاء صندوق مالي تتبرع فيه كل عائلة من القبيلة بما تيسر من قدرتها المالية، لتجميع مبلغ يكفي لشراء معدات الفاتحة: الخيمة والمبردة، إضافة إلى أواني الطبخ، ودلال القهوة والفرش وغير ذلك من المستلزمات، وتودع عند أحد أفراد العشيرة، وعند حدوث وفاة يتم استخدامها من دون اضطرار إلى الكراء”.

وأضاف البيضاني “ولكن صعوبة تطبيق هذا الاقتراح تكمن في أن العشيرة منتشرة في عدة مدن، ومن الصعب نقل مستلزمات الفاتحة من مدينة إلى أخرى، ويمكن معالجة هذا بكراء عربة حمل البضائع لنقل المعدات إلى المكان المطلوب.

ومع هذا من الواجب منع الإسراف في نفقات الفواتح، لأنَّ البعض يرى أنه كلما ازداد الإنفاق في الفاتحة، ازدادت هيبة العشيرة لدى العشائر الأخرى، وهذا خطأ فادح، فهيبة العشيرة تأتي من كثرة المتعلمين فيها والنافعين لغيرهم”. يذكر أن مجالس العزاء تستمر لثلاثة أيام وربما تمتد لسبعة.

20