"الفوازير" تعيد الظهور بمسميات جديدة في رمضان

ناقدون يرون أن هناك معوقات إنتاجية تحول دون تقديم فوازير جديدة بالشكل التقليدي خصوصا مع استهلاك أفكارها وارتفاع تكلفتها.
الثلاثاء 2019/05/21
استلهام الفوازير

من بين الفنون الكثيرة المقترنة برمضان في مصر، تظل “الفوازير” الأقرب إلى الجمهور منذ انطلاقها في الإذاعة قبل ستين عاما، مرورا بتحولها إلى التلفزيون في مطلع الستينات من القرن الماضي، وصولا إلى تطورها ونضجها كثيمة درامية استعراضية يقوم على إعدادها فريق من كبار المؤلفين والمخرجين والموسيقيين والممثلين.

القاهرة - الفوازير، ثيمة فنية لصيقة بالقلوب حاضرة على الدوام في مائدة رمضان العامرة باللطائف. وعلى الرغم من توقف إنتاجها بشكلها التقليدي منذ سنوات، فإنها لا تزال تطل على عشّاقها بمسمّيات ووجوه جديدة، من خلال الدراما التلفزيونية الاستعراضية والتشويقية والبوليسية وبرامج المسابقات والمنوّعات.

مع تعذر إنتاج الفوازير في السنوات الأخيرة بشكلها المعتاد المألوف، لم تفقد شركات الإنتاج والفضائيات حماسها لتقديم صور ووجوه جديدة للفوازير الرمضانية بطرق غير مباشرة، من أبرزها الدراما الرمضانية، وبرامج المسابقات، وذلك من أجل إشباع تعطش الجمهور إلى الألغاز والاستعراضات والقفشات وشخصيات “الخاطبة” و“فطوطة” و“سمّورة” و“عمّو فؤاد” و“جدّو عبده”، وغيرها، التي كانت جزءا من طقوس رمضان الفنية.

استثمار النوستالجيا

تُمثّل الكثير من الأعمال الدرامية المعروضة على الشاشات في رمضان الجاري، وبرامج المسابقات التلفزيونية، استكمالا لما بدأ في السنوات الماضية من “معوّضات الفوازير”، إذا جاز التعبير، أي المواد الشيقة التي تعوّض غياب الفوازير، وتقدّم بديلا مقبولا رائجا، مشحونا بما كانت تقدّمه الفوازير القديمة من ألغاز ودراما تشويقية واستعراضات وأغنيات مرحة جذابة.

ربما تكون هناك معوّقات إنتاجية تحول دون تقديم فوازير جديدة، بالشكل التقليدي، خصوصا مع استهلاك أفكارها وارتفاع تكلفتها، وخواء الساحة الفنية من قامات بحجم المؤلف صلاح جاهين على سبيل المثال، والمؤلف عبدالرحمن شوقي والمخرج فهمي عبدالحميد والموسيقار سيد مكاوي والموسيقار عمار الشريعي، والفنانين نيللي وشريهان وسمير غانم وغيرهم من نجوم فوازير رمضان وصنّاعها المعروفين، لكن مع ذلك يصعب على الكثيرين تخيّل رمضان دون مذاق الفوازير، التي تمثل لديهم “نوستالجيا” بالغة الخصوصية، وذكرى تعيدهم إلى الماضي البريء المحبب، وزمن الفن الجميل.

اختارت بعض الفضائيات حلّا سهلا لاستثمار هذا الحنين إلى الماضي، وذكريات الطفولة والصبا لدى البعض، فأعادت تقديم حلقات الفوازير القديمة كما هي، مثل قناة “ماسبيرو زمان” التي تعيد في رمضان الجاري فوازير “حول العالم” و“ألف ليلة وليلة” لشريهان.

ودعمت قنوات أخرى الفوازير القديمة بالكوميكس ورسوم الكاريكاتير، وبقدر ما يعكس هذا التوجه الماضوي استجابة لرغبات المشاهدين، الباحثين عن منتج فني جيد وسط ركام الصخب الراهن، الخالي من القيمة وحتى عناصر الإبهار، فإنه من جهة أخرى يكشف التراجع عن مجاراة العصر وعدم القدرة على الابتكار.

بدأت الفوازير (الأحاجي أو الألغاز) في الإذاعة المصرية منذ قرابة ستين عاما على أيدي الإعلاميتين آمال فهمي وسامية صادق، وكانت في شكلها الأول عبارة عن سؤال يومي يتسابق المستمعون في حله عبر البريد، ويفوز أحد المتسابقين بجائزة. وتطورت الفوازير كثيرا بعد انتقالها إلى التلفزيون المصري في عام 1961، بعد عام واحد من تأسيسه، وتحولت إلى مزيج من الدراما والاستعراض والغناء.

ارتبطت الفوازير على مدار نصف قرن بأسماء العديد من النجوم في التأليف والإخراج والموسيقى والاستعراضات والتمثيل، منهم المخرج أحمد سالم، وفرقة ثلاثي أضواء المسرح، الذين قدموا أول فوازير عربية كشكل فني مكتمل في عام 1967. وبلغت الفوازير ذروة النضج مع الثالوث: صلاح جاهين، فهمي عبدالحميد ونيللي، الذين قدموا فوازير “عروستي” و“الخاطبة” في مطلع الثمانينات.

بعد ذلك، جاءت فوازير “فطوطة” التي حققت نجاحا منقطع النظير للثالوث: عبدالرحمن شوقي، فهمي عبدالحميد وسمير غانم. وتوالت تجارب الفوازير على مدار السنوات، إلى أن اختتمت بشكلها التقليدي في التلفزيون المصري بفوازير “فرح.. فرح” لمدحت صالح وغادة عبدالرازق في عام 2003.

مسمّيات مغايرة

دنيا سمير غانم بشخصيات مختلفة في مسلسل "بدل الحدوتة تلاتة"
دنيا سمير غانم بشخصيات مختلفة في مسلسل "بدل الحدوتة تلاتة"

حرص الإنتاج الجديد في الدراما التلفزيونية، وتتراتها، وبرامج المسابقات والمنوعات في الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية، على إحياء روح الفوازير وجمالياتها وخصائصها الفنية في أعمال رمضان هذا العام، وحضرت في قوالب مغايرة.

فهناك أعمال درامية سعت إلى استلهام صيغة الفوازير في رمضان الجاري مسلسل “بدل الحدوتة تلاتة”، من تأليف أيمن وتار وشريف نجيب، وإخراج خالد الحلفاوي، وبطولة دنيا سمير غانم ومحمد سلام وأحمد رزق وبيومي فؤاد.

وعلى طراز الفوازير، قدمت دنيا سمير غانم العديد من الاستعراضات من خلال أكثر من شخصية تلعبها في المسلسل، وتحوّل التتر إلى مادة فنية حركية موسيقية قائمة بذاتها، كما جاءت “الألغاز” لتكون محورا لحلقات المسلسل في “الحدوتة الأولى”، من خلال شخصية “بيلا”، التي تستخدم في كل حلقة حيلة مختلفة في أجواء كوميدية للتوفيق بين الزبون الذي يقصدها، والمرأة التي يحبها، بما يعيد إلى الأذهان فوازير “الخاطبة” التي قدمتها نيللي في الثمانينات.

ويستلهم مسلسل “طلقة حظ”، من تأليف إيهاب بليبل، وﺇﺧﺮاﺝ أحمد خالد أمين، وبطولة مصطفى خاطر وأيتن عامر، روح التشويق والإثارة، من خلال شخصية عبدالصبور، الموظف الحكومي البسيط، الذي ينخرط في أحداث دموية ليس مسؤولا عنها، وتقوده الصدفة إلى مغامرات يومية ومواقف كوميدية.

ومن الأعمال الأخرى التي سلكت المسار نفسه في الأعوام القليلة الماضية من حيث الاعتماد على الألغاز والاستعراضات بل وأسماء نجمات الفوازير مسلسل “نيللي وشريهان” من تأليف مصطفى صقر وكريم يوسف ومحمد عزالدين، وإخراج تامر حمزة وأحمد الجندي، وبطولة دنيا وإيمي سمير غانم.

جاءت أحداثه بالكامل في إطار “لغز” البحث عن ثروة الجد “ميكي”، واتسمت الأحداث بالتشويق والمواقف الكوميدية. وقد كان من قبله مسلسل “لهفة”، الذي قدمت فيه دنيا سمير غانم مجموعة من الاستعراضات و”المقالب” والقفشات المرحة.

استلهم مسلسل “ريّح المدام” لمجموعة من المؤلفين (تامر إبراهيم، ولاء شريف، أسامة مقلد، صالح سعيد، وليد عبدالسلام)، وإخراج كريم العدل، وبطولة أحمد فهمي وأكرم حسني ومي عمر، فكرة فوازير “الخاطبة” أيضا، في حلقات منفصلة، يتم فيها التحايل على الزوج الخائن من خلال مقلب يومي تدبره زوجته وصديقه.

وفي سياق الألغاز والدراما التشويقية، فضلا عن استعراضات السيرك وأكروباته وألاعيب السحر، جاء مسلسل “لعبة إبليس”  من تأليف إنجي علاء، وإخراج شريف إسماعيل وأحمد جلال، وواصل فيه الفنان يوسف الشريف أعماله الفانتازية البوليسية.

15