الفوتوغرافية اللبنانية هدى قساطلي تسرد الشتات افتراضيا

واقع مشين تعمد الفوتوغرافية هدى قساطلي إلى كشف النقاب عنه من خلال عدستها التي غاصت في المواضيع الرئيسية داخل المخيّمات.
الجمعة 2020/06/05
توثيق بصري لهندسة الأماكن وحياة اللاجئين اليومية

طالت أزمة وباء كوفيد – 19 كل مرافق الحياة البشرية، ولم تكن الحياة الفنية بمعزل عن آثارها السلبية. فتوقّفت صالات العرض الفنية اللبنانية عن تقديم معارضها بانتظار انتهاء الوباء. لكن "صالة أليس مغبغب" البيروتية وجدت الحل في العروض الافتراضية.

بيروت- مرّ أكثر من شهرين وصاحبة “صالة أليس مغبغب” البيروتية قد “ضاقت ذرعا” من الانقطاع عن الحياة الذي فرضه فايروس كورونا المستجد، قبل أن تعمد إلى تحويل الصالة إلى حيز افتراضي تنطلق من خلاله إلى الساحة الفنية، ريثما تعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي.

أما ما عادت به إلى الساحة الفنية، فكان استكمالا لمعرض كانت قد بدأته قبل تفشي الوباء، وهو معرض موسّع عن إبداع المصوّرة الفوتوغرافية اللبنانية هدى قساطلي والتزامها بقضايا لم تحد عنها إلى اليوم، وهي تراث بيروت والبشر وأحوالهم في زمن لا يرحم لا سياسيا ولا بيئيا ولا اجتماعيا.

وما حاولت الصالة استكماله هو معرض شامل كان مقررا أن يشكل جزءا من احتفالية على مدار سنة 2020، ويضم ما التقطته عدسة الفنانة هدى قساطلي، وأن يتزامن هذا المعرض مع مناسبة مئوية لبنان الكبير. وقد حدّدت الصالة مواعيد فصول هذا العرض الفني/ السنوي كالتالي: من 14 أبريل حتى نهاية مايو الماضيين: “مخيّمات اللاجئين، عبء عدم الاستقرار”. ثم من 9 يونيو الجاري وحتى 25 يوليو القادم: “طرابلس الشرق، العاصمة الجامعة”. يليه من 15 سبتمبر وحتى 31 أكتوبر المقبلين: “أشجار مقدّسة، أشجار منتهَكة”. وأخيرا من 10 نوفمبر وحتى الـ26 من ديسمبر المقبلين: “بيروت، أيقونات الغياب”.

وقدّمت الصالة عودتها إلى العمل الفني بهذه الكلمات “نحن نعود اليوم إلى النشاط الفني من خلال معرض للمصوّرة هدى قساطلي وعالمنا ينغمس في صمت شديد، يتخلّله ‘زعيق’ صافرات سيارات الإسعاف وسط حجر التجوّل. مسجونة ظهرت البشرية عاجزة تقلقها هذه الأسئلة: كم من الوقت سيستغرق هذا الحبس؟ كم ستكون كلفته؟ ماهي نتائجه؟ كيف ستكون الحياة بعد الحجر؟”.

حياة قاسية

أليس مغبغب: الفن لا يمكن له أبدا أن ينحسر وسط أزمة وجودية
أليس مغبغب: الفن لا يمكن له أبدا أن ينحسر وسط أزمة وجودية

تُجيب الصالة “في انتظار الأجوبة على الأسئلة العديدة التي أثارها الوباء، يبدو أن مفاهيم الوقت والحرية والأمل ابتعدت عنا تاركة المجال لحقائق العوز والحرمان والعيش في انعدام اليقين، كأسلوب حياة على الكائنات البشرية أن تعتاد عليها إن كانت في بيوتها المريحة أو ‘مرمية’ في خيم اللجوء، حيث الحياة قاسية إلى أقصى حد”.

وحول هذه الحياة القاسية، تقول صاحبة الصالة أليس مغبغب “ثلاثة شعوب تشكّل روح المشرق: الشعب السوري واللبناني والفلسطيني. ثلاثة عصبيّات غنيّة بالتاريخ، بالتبادلات، بالمعرفة، وبالتقاليد. وفوق هذا كلّه، ثلاثة أقدار أُخضعت بشكل سيء ومأساوي. فالعنف الذي بقي ينصبّ على بلدانهم، نجح في النهاية بابتلاع ما كان يُعتبر منذ قرن من الزمن،
ولفترة وجيزة من التاريخ، مشروعَ مستقبل، وطن”.

وتضيف “ها أنّهم يفيقون على سقوطهم في فخّ الرهانات التي تتخطّى مواردهم إلى حدّ بعيد، وقد أصبحوا ضحايا العمى الذي أصاب نخبة قومهم”.

ولدى سؤالها عن خاصية الشعب اللبناني أجابت “للبناني الذي شُلّت حركته بسبب حجر مزدوج ناجم عن تفشّي وباء كورونا من جهة وعن إفلاس بلده التام من جهة أخرى، تبدّلت نظرته إلى مضيفيه. هذه النظرة هي بالفعل ما شاهدته هدى قساطلي ولاحظته بفطرتها الرياديّة، وإذا بها تعرضها على الملأ من خلال صوَرها الفوتوغرافيّة وضمن هذا المعرض الذي يسلّط الضوء على شراسة الفقر المدقع وجمال براءة الطفولة البديع، وعلى الأفق المسدود على الحياة بأبسط تعابيره والأمل الملتفت إلى مستقبل باهر يفيض ضياء”.

وتستطرد قائلة حول هذه العودة “إن هذه الحالة المأساوية التي عاشها ولا يزال العالم اقتضت أن تجعلنا كصالة نبحث عن مسار آخر نتابع فيه العمل الفني على هامش مسارنا العادي، لذلك قرّرنا إعادة فتح الصالة افتراضيا لتستمر الحياة بشكل آخر حتى تعود الأمور إلى مجاريها، وذلك إيمانا منا بأن الفن لا يمكن له أن ينحسر وسط أزمة وجودية، وإن ترتّب عن ذلك إيجاد سبل تعبير مختلفة له”.

وعنونت “صالة أليس مغبغب” على موقعها الإلكتروني معرضها الافتراضي بـ”مخيمات اللاجئين في لبنان، عبء العوز والحرمان”. ومن اللافت ذكره أنه بالتزامن مع هذا المعرض جرت متابعة النقاشات المنظمة عبر الإنترنت التي تم الإعلان عنها على الموقع الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للغاليري.

فنّانة مصوّرة

عبء العوز والحرمان
عبء العوز والحرمان

قدّم هذا المعرض كجزء من العام المخصّص للفنانة اللبنانية هدى القساطلي، مجموعة من 100 صورة تم التقاطها بين عامي 2012 و2019 في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في برج البراجنة (قرب بيروت) ونهر البارد (قرب طرابلس)، وفي مخيمات النازحين السوريين في البقاع.

ومن خلال المناظر الطبيعية والمشاهد الداخلية، وعبر تجسيدات للطبيعة الميتة وبورتريهات شخصية، تطرّق المعرض إلى المواضيع الرئيسية التي تطغى على الحياة في المخيّمات: من هندسة الأماكن إلى حياة اللاجئين اليومية، ومن هويّة السكان إلى المستقبل الغامض المبهم. هكذا، عمدت هدى قساطلي إلى كشف النقاب عن الواقع المُشين، إلى مساءلة الضمائر، مسلِّطة عدستها في الوقت ذاته على تعظيم قدر الإنسان.

ويذكر أن هذا المشروع هو بمبادرة من الفنانة هدى قساطلي وجمعية “أركانسيال” المعنية بالميراث المعماري والحفاظ عليه.

وهدى قساطلي من مواليد 1960 بيروت. حازت في العام 1984على شهادة في الفلسفة من جامعة باريس 1 بانتيون – سوربون. وفي العام 1987، قدّمت أطروحة دكتوراه في الإثنولوجيا وعلم الاجتماع المقارن من جامعة باريس. لتعود في العام 1986 إلى مسقط رأسها، بيروت، وكرّست حياتها المهنيّة للبحوث والتصوير؛ فاختيرت خبيرة دولية لمشروع “مدينة” الأوروبي، وعُيّنت باحثة ملحقة بجامعة البلمند وبوحدة البحوث متعدّدة التخصّصات عن الذاكرة في جامعة القديس يوسف، وفي الوقت نفسه باحثة شريكة لمركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مكتبة الصور الفوتوغرافية في مركز جورج بومبيدو – باريس حرصت منذ العام 1987 على اقتناء صور هدى قساطلي السالبة وهي تضمّ اليوم ما يقارب المئة
منها.  وفي العام 1992، استقبل معهد العالم العربي أوّل معرض خاص لقساطلي؛ وسرعان ما أصبحت أعمالها الفوتوغرافية تُعرض بانتظام، في عدد من الغاليريات أو المراكز الفنية في بيروت وأوروبا.

أما اختصاصها في علم  الإثنولوجيا فقد ساهم في شحذ وصقل نظرتها إلى التراث المعماري، والتقاليد الاجتماعية، والبيئة، والحياة اليومية؛ وتضافرت دراساتها الأكاديمية مع مهنة التصوير التي تمارسها وتُعنى بصقلها منذ سن المراهقة، فأصبحت المرأة الأولى في لبنان الفنّانة – المصوّرة.

17