الفوتوغرافي العراقي هيثم فتح الله يصرخ من عمان "لا للحرب"

افتتح مؤخرا بقاعة المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، معرض الصور التوثيقي بمناسبة ذكرى مرور 100 عام على الحرب العالمية الأولى (1914 /1918)، للفنان الفوتوغرافي العراقي هيثم فتح الله تحت عنوان “لا للحرب”.
الخميس 2015/05/21
الأميرة ريم علي تفتتح معرض "لا للحرب" للعراقي هيثم فتح الله

عمّان - يقال إن “الحقيقة” خطأ مصحح باستمرار، هذا ما انتهيت إليه قبل أن أغادر صالة الحرب العالمية الأولى التي أودعني فيها الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي العراقي هيثم فتح الله عزيزة للاطلاع على معرضه الذي أقيم في عمّان مؤخرا بقاعة المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، وقدم له في كتيّبه الأنيق بكلمات على لسان القلب البشري لإنقاذ الإنسانية من سلسلة الحروب وآثارها الكارثية المستمرة على الرغم من تعاقب الأجيال.

“لا للحرب”، صرخة مدوية في قاعة هادئة تضم صور الحرب بتبويب احترافي وشروح مكثفة لكل مجموعة، مع هوامش تعريفية باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية تحت كل صورة.

التنسيق في الصور والإعداد، يتسق مع التأريخ الشخصي والمهني للفنان هيثم فتح الله ورؤيته الإبداعية في تكامل التفاصيل الصغيرة، بما يشبه أسلوب تناغم عناصر “المقطوعة الموسيقية” التي تبعث في النفس الطمأنينة والإحساس بالأهمية والدقة للمسافات والوحدات الزمنية اعتمادا على تدريب مسبق لا يترك ثغرة أو خللا يتسلل منها في النهاية إلى المتلقي.

مجموعة صور عن نشاطات وزيارات الملك جورج الخامس أثناء سنوات الحرب (1914 /1918)، وإضاءة كتب فيها الفنان نبذة تعريفية لحياة الملك ومعايشته الميدانية للمعارك وتفقده للقوات البريطانية وحلفائها، بما يدلل على أهمية المسؤولية الملقاة على القادة في الزمن الصعب لتحقيق الانتصار.

مجموعة أخرى عن جبهات القتال الغربية، تبيّن بدايات استخدام الغازات السامة وظهور الدبابات المدرعة كسلاح يحقق عنصر المفاجأة في الحرب، كما عرفت السماء الطائرات الحربية لأول مرة وكذلك المناطيد، والمدمرات في البحر وأيضا الغواصات، والأسلحة الخفيفة والمتوسطة كالبنادق والرشاشات والمدفعية، تقف خلف كل ذلك المصانع الحربية بتوفيرها للأسلحة والعتاد ومستلزمات إدامة القتال حسما للمعارك.

ولا ننسى دخول القوات الأميركية الحرب إلى جانب الحلفاء، لقد أضفى زخما قتاليا ومعنويا للجنود، الصور توثق ذلك، ولا تُغفل أهمية الاستعدادات اللوجستية المتعلقة بتأمين التموين للمحاربين من غذاء وإسعافات ومشاف ميدانية، مضافا إليها الدور الإنساني لمنظمة الصليب الأحمر.

للعراق والعرب حصة مؤثرة من الصور عن مدنهم وواقع الحرب والمقاتلين وعن أسلوب حياتهم وأزيائهم وتدريبهم

صور أخرى تتناول المعارك في بلدان المشرق وشمال أفريقيا، وهي جبهات مفتوحة مع الدولة العثمانية، حاربت فيها إلى جانب الإنكليز قوات لا يستهان بها من أستراليا ونيوزيلندا والهند، وبذلك أصبح الشرق الأوسط ساحة لمعارك شرسة على إثرها تمّ احتلال العراق وسوريا وفلسطين، وفي شمال أفريقيا تمّ احتلال مصر والسودان، وتفاعل الفرسان العرب مع الحرب أملا في الخلاص من المستعمر القديم، على الرغم من الدين المشترك الذي يجمعهم به، لكنهم كانوا تواقين إلى الحرية والاستقلال بمساعدة الوافد الجديد الذي وضعوا فيه ثقتهم لامتلاك حق تقرير مصير أمتهم في المستقبل.

حضور عربي

للعراق والعرب حصة مؤثرة من الصور عن مدنهم وواقع الحرب والمقاتلين وعن أسلوب حياتهم وأزيائهم وتدريبهم وعن الشخصيات اللامعة من أبطال الثورة العربية التي انطلقت من أرض نجد والحجاز.

لأسرى الحرب وقع آخر يتردّد صداه في التقاط الفنان هيثم فتح الله لمعنى الاستمرار على قيد الحياة والنجاة من الحرب، لأنه يؤكد على ملامح الفرح البادية على وجوه الأسرى والابتسامة على ثغورهم، في زمن الموت والإبادات البشرية الواسعة، إنها تبدو صادمة وغير منسجمة مع الواقع، لكنها الحياة!

المعلومة المدونة تسجل 514 معسكرا للأسرى موزعة على مساحات مترامية من العالم لاستيعاب أعدادهم الهائلة، ثم يذكرنا بالوكالة الدولية لأسرى الحرب العالمية الأولى وإنجازها لما يقارب 6 ملايين بطاقة تعريفية، وإرسالها مليون و800 ألف طرد إغاثة، ونقلها للرسائل بين الأسرى وعوائلهم، والفنان يتساءل عن كيفية إدارة شؤونهم وحاجاتهم الإنسانية الأساسية!؟

وفي ملاحظة نقلتها إلى صاحب صرخة “لا للحرب”، فناننا هيثم فتح الله، عن سبب غياب الصور المباشرة لمآسي الموت والجثث والعذاب الإنساني وحجم الخسائر في صفوف المتحاربين، أو القتلى تحت الأنقاض والأطلال، وللفزع في مدن الخراب والجوع والتشرد والمهانة، وهذا هو عنصر الاستفزاز المطلوب لإطلاق صرخة الرفض الكبرى للحرب.

قال فتح الله: لم تكن لي الرغبة في عرض صور الموت والقبح والبشاعة، لتفادي ترسيخ مفاهيم الابتذال في الحياة البشرية وحتمية التوقف عند الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، ولإعطاء الفرصة إلى المثل والقيم العليا للإنسانية بالنمو في ذاكرة أجيالنا، التي أسرفت عليها وقائع حياتنا الممزقة بالعنف المتعدد والمنتشر في الفضاء المفتوح للإعلام ووسائل الاتصال.

الجمال محملة بالعلف في فلسطين (1917)

أردته، والكلام لا يزال لهيثم، معرضا يوثق صورا لحرب كونية مضت عليها 100 سنة، وتلتها من بعد ذلك حرب كونية ثانية ومعارك ونزاعات دولية وإقليمية وحروب أهلية، وما زال الأبرياء يدفعون حياتهم ثمنا لأطماع أشخاص مرضى يتعاطون السياسة والسلطة وتبادل الانتقام… “لا للحرب”، تعني كفى، يجب إيقاف الحروب والتحول للحوار والتعايش من أجل الحياة وغد أفضل للإنسانية.

استحضرت مع وجهة نظره الصراع الأزلي بين الشخصيات الأسطورية عند اليونان، وطافت حينها ربات الفنون وأرواح الغابات واصطدمت بصواعق الحرب التي أحرقت الغابات وحوّلتها إلى رماد.

حماقة جميلة يرتكبها الكاتب عندما يرقص فوق بقايا الكلمات وحيدا مع طفلين وسيدة من عائلته، في صالة هادئة وإضاءة مريحة، على جدرانها مرت الحرب العالمية الأولى منذ 100 عام، تصهل فيها الخيول محاولة النجاة من الأوحال، ومدافع تطلق نيرانها على جدار آخر محصن بالخنادق، وجرحى ينظرون إلى أخيلة أحبائهم في آخر ممرات الأمل.

تنتقل الأرض على الجدران وتتغير الرايات وأزياء المقاتلين والوجوه وتتداخل الصور، جنود وقادة وملوك واجتماعات وهدير دبابات ودويّ قنابل وطائرات تكتشف سقف الموت، ومخابز لا تكف عن ملاحقة العدو الأول للكائن البشري، تحاول الانتصار على الجوع بتكديس الخبز، كما تتكدس القنابل لتسكت جوع المدافع.

حرب هادئة

كانت الحرب تشتعل في صالة هادئة، بحجم الأرض، لم يكن فيها أحد سواي وطفلين لا يباليان بالحرب ولا بالموت، كانا يضحكان وسط صالة اجتمعت فيها البشرية لإيقاف الحب، وقطع نسل الموسيقى، وتشريد العاطفة، وإلحاق الأذى بالكلمات، وطرد الأرض، أمّنا، “ست الحبايب” والوجود من عائلة الإنسانية، وإطلاق النار على العناق وشفاه العشاق.

هيثم فتح الله، أقدم على التضحية بعدسته، ليوصل رسائل الجنود المجهولين من المصورين الذين وثقوا تفاصيل الحرب بعدساتهم

أنتقل من جدار إلى جدار، ومن صورة إلى صورة، وأنا أتلقف سقوط أصدقائي من فوق جدران الحروب التي مررنا بها وحجم الخراب، لكنني انتبهت إلى الطفلين يتبادلان التهم السخيفة ثم يتعانقان ثم يضحكان للحياة، كم يكلفنا إنشاء عائلة سعيدة تتجاوز الحروب، عائلة تنتمي إلى حكمة “من نحن جميعا، بعد 100 عام؟”.

الفنان هيثم فتح الله، أقدم على التضحية بعدسته، ليوصل رسائل الجنود المجهولين من المصورين الذين وثقوا تفاصيل الحرب بعدسات عيونهم القديمة وكاميراتهم البدائية قياسا للتقدم الكبير والطفرات الهائلة في عالم التصوير.

“لا للحرب”، استعادة للوحة الرغبة الإنسانية في تلافي تكرار المآسي، وانحياز إلى الأثر تاركا للمتلقي التحديق في جهد وتضحيات المصورين لتوثيق الحرب بكل إكسسوارات فصولها، حتى ينتزع إدانة واضحة عمرها 100 عام يرفعها في وجه كل من يساهم في زراعة ألغام الصراعات الدامية بين البشر في كل زمان ومكان.

الصور، صرخات لن تتوقف ضدّ الحرب، إنها اللوعة المترامية على وجوه ابتعدت كثيرا عن وطنها الأم.

“لا للحرب”، صرخات في صالة، تستجمع قواها لرفض ما يجري من انتهاكات على الأرض.

صور المعرض مأخوذة من جريدة “الحقيقة” اللندنية، التي تصدر عددين في الشهر لتغطية نشاط قوات الحلفاء بالصور، وقد غطت أغلب جبهات القتال، وطبعت لبلاد المشرق بأربع لغات من بينها العربية.

16