الفوتوغرافي نيراز سعيد: المخيم ليس حجرا بل هو بشر

الجمعة 2014/10/31
نيراز سعيد عبر من خلال الإضاءة الخافتة في صوره على لوعة الفراق

دمشق - وسط ركام من الذكريات والشهداء والخراب ينصب نيراز سعيد كاميراته في مخيم اليرموك المحاصر، لا لينقل الحدث ويخبر بصوره عما يجري في المخيم تحت وطأة حصار تجاوز العام ونيفا، بل ليحيل تفاصيل الموت اليومي إلى فن يخلد مأساة الفلسطينيين الأحدث.

عن اليرموك المحاصر والفوتوغراف والصورة التي سبقت أصحابها إلى أرضهم فلسطين كان هذا الحوار مع نيراز سعيد.

يقول نيراز سعيد مجيبا عن سؤالنا حول أسباب عودته إلى المخيم رغم وطأة الحرب والحصار: «لم يكن من السهل عليّ أن أرى اليرموك ـوأنا ابنه- على شاشة التلفزيون فقط، لا سيما ويقيني بأن ما تقدمه الشاشة الصغيرة لا يرتبط فعلا بالواقع. حتى ما كنت أسمعه من الأصدقاء في المخيم كان متناقضا، بدوره حفزني لمعرفة حقيقة ما يجري في مكاني/المخيم».

ويضيف: «خروج الكثير من أهالي المخيم دفعني للعودة إليه، علني أفعل شيئا يساهم في إيقاف المأساة، لكن حينما وصلت إليه عرفت أن الكارثة أكبر مني».

ما يريد إيصاله نيراز للعالم كونهم موجودين الآن/هنا، يعيشون في المخيم ويدفعون ضريبة فلسطينيتهم، ضريبة انتمائهم للشعب وللأرض السورية. مؤكدا: «نحن في المخيم لسنا أناسا جائعين فقط، نحن بشر تنهار حياتنا أمام أعيننا. نحن لسنا مجرد خبر على “الفيسبوك” أو إحصائية منسية، بل بشر لهم أحلامهم وأمانيهم بعيش أفضل. مخيم اليرموك ليس هو مجموعة الأحجار والأبنية المرصوفة في شوارعه، المخيم هو هؤلاء الناس الذين آثروا البقاء في مكانهم. المخيم ليس حجرا.. المخيم بشر».

أما على صعيد فنية الصورة فآتية من ارتباطه الشخصي بموضوع الصورة الملتقطة. بمعنى أن التفاصيل التي كان يسعى إلى رصدها كانت تعنيه، فهو ليس مجرّد مراسل ينقل الخبر بالصورة، إنما مرتبط بالمكان والأشخاص، وتربط بينه وبين موضوع صورته علاقة قوية، علاقة انتماء.

نيراز سعيد: حينما وصلت إلى المخيم بعد غياب عرفت أن الكارثة أكبر مني

حوصرت كاميرا سعيد في اليرموك منذ ما يزيد عن السنة، ما يعني ضيق دائرة الموضوعات المتاحة أمام عدسته، هنا سألناه: ألا تخشى أن يؤثر هذا سلبا على إنتاجك في المستقبل، بحيث تبقى كاميرتك حبيسة اليرموك إلى الأبد؟

مستشهدا بسؤاله ذات يوم للشهيد حسان حسان عن فكرة للعمل في المخيم، أجابه حينها بأن المخيم يعجّ بالأفكار، وما عليهم إلا جمع هذه الأفكار وتنظيمها وإعادة إنتاجها فنيا. وكذلك كان المخيم، مجموعة أفكار وموضوعات مغرية.

كمثال على ما يقول: «”شارع المغاربة” في المخيم نموذج لما أقول، فأنا أقطن هذا الشارع منذ ولادتي، ولطالما وجدت أن لهذا الشارع أثرا في توجيهي إلى الفن. ففي هذا الشارع -وكما كل المخيم- لا ينتهي العرس بذهاب العروسين، ولا ينتهي العراك بتصالح المتخاصمين. حيث يجمع أهله حالة إنسانية مختلفة، حالة إنسانية تزخر بالتفاصيل التي يستحيل الواحد منها إلى عمل فني راق».

من هناك وجد نيراز أنه كلما استمرّ في المخيم أكثر، كلما انفتحت عدسته أكثر، وكلما طال الحصار زادت هذه الأفكار والتفاصيل متانة وجمالا. مضيفا: «أما عن سؤال المستقبل، فأعجز عنه في ظل حصار مشيّد على رأسي قبل أن يشيّد على أسوار المخيم، ولذلك أجد أنني رهن المخيم، ورهن الناس الموجودين هنا، ورهن اللون الأحمر».

تمكنت صور نيراز سعيد من اختراق حدود الحصار واتجهت إلى رام الله والقدس، فعن مدى قدرة صوره وحدها إلى إيصال ما كان يريد قوله، يؤكد الفوتوغراف: «نعم أوصلته، أعتقد أن الصور كانت كفيلة برواية قصة المخيم هناك».

مبرزا: «مثلت الصور الجزء الأول من الحصار، أي ما قبل التهدئة، وعرضت في مرحلة “الهدنة الأولى”. حملت الصور إلى الأرض المحتلة الموت والخوف والبرد الذي نعيشه، بيد أنها حملت أيضا الأمل، الأمل الذي تلتمسه عدستي كما الناس بمعزل عن هراء الساسة وتوقعاتهم».

اتضح كل ذلك من إقبال جمهور الأرض المحتلة على المعرض، والحشد الذي اجتمع في متحف محمود درويش في رام الله (مكان المعرض)، أن مخيم اليرموك وصل إلى فلسطين قبل أن يصل أهله الحالمون بالعودة.

ليست المواضيع السوداوية هي الهموم فقط، وهي المادة الوحيدة للفن، حسب وجهة نظر نيراز

الفراق، الفراق هو الهمّ الذي يسعى سعيد إلى إيصاله بصوره. الناس في المخيم اعتادوا الجوع والعطش والحياة دون كهرباء وماء، فالناس هنا جبابرة تجاه الواقع، قادرون على التكيف معه مهما قسا.

في المقابل يقول مصورنا: «لكنهم يعجزون أمام الفراق، لا توجد في المخيم اليوم عائلة كاملة، ففي كل عائلة نقص. كنت أشعر في كل صورة لعائلة فلسطينية أن هناك بين الوجوه خيالا لشخص مفقود، ولذلك تجد أن الإضاءة الخافتة تغلب على صوري، ساعيا بذلك إلى خلق ظل لأناس كان يجب أن يكونوا موجودين في هذه الصورة أو تلك».

ليست المواضيع السوداوية هي الهموم فقط، وهي المادة الوحيدة للفن، حسب وجهة نظر نيراز، إذ يرى أنه وبعودة أهالي اليرموك إليه ستحفر تفاصيل جديدة على عدسته التي ستلتقط صورة الأيادي التي ستعيد إعمار المخيم، ومنها أيضا اجتماع أهالي المخيم لطيّ صفحة مأساوية من التـــاريخ الفلسطيني.

بتفاؤل الفنان المنتصر للحياة أبدا، يختم سعيد: «دائما هناك أمل، لن ينتهي التاريخ هنا، مرت على مخيم اليرموك بشكل خاص وعلى الفلسطينيين بشكل عام ظروف صعبة للغاية. لكنها انتهت وبقي الفلسطيني يحارب ليعيش، فهو شعب يقدّر الحياة ويستحقها، ويرى رغم كل ما يمرّ به أن غدا سيكون أفضل».

17