الفوتوغراف الصادم نجح في السيطرة على مشهد الموت

السبت 2014/08/23
داعش أنتجت شكلا جديدا من بروباغندا الرعب

بروكسل - أصبح الجينوسايد (الإبادة الجماعية) أيضا شكلا آخر من أشكال الصور الصادمة التي تدرجت إلى مرحلة بث مشاهد الأفراد الذين ينتظرون قدرهم في الذبح. ليتحول قطع الرؤوس ورفعها أمام العدسة علامة فارقة للصورة الفوتوغرافية الصادمة.

منذ أن ظهرت الصراعات والحروب ولجأت الجماعات إلى العنف أداة أو وسيلة لتحقيق أهدافها، ظهرت معها وسائل مساندة تهدف إلى إيقاع هزات في قناعات الخصوم وإخافتهم وبث الهلع والخوف في صفوفهم فيما اصطلح عليه فيما بعد في أبجدية الحروب والصراعات بالحرب النفسية التي مارسها طرف ضد طرف آخر، بما في ذلك بث الإشاعات والقصص المفبركة التي تستهدف بث الخوف والبلبلة في صفوف العدو.

وعبر التاريخ ومع تطور الاكتشافات والتقنيات كان ظهور الصورة أداة بالغة التأثير وتحولت إلى أداة من أدوات الصراع إلى درجة أن تلك الصراعات والحروب الأهلية أنتجت صورا صارت فيما بعد علامات فارقة مميزة لتلك الحروب.

وكشاهد على ذلك، الحرب الأهلية الأسبانية ( 1936 ـ 1939 )، حرب فيتنام (1955ـ 1975)، الحرب الأهلية القبرصية (1963ـ1967)، الحرب الأهلية الكمبودية ( 1970ـ 1975)، الحرب الأهلية اللبنانية ( 1975ـ 1990)، الحرب الأهلية في رواندا ( 1990 ـ1993)، حرب البوسنة (1991ـ 1995)، حرب الكونغو ( 1997ـ 1999) وصولا إلى الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة وحرب حزب الله ضد إسرائيل وليس انتهاء بالصراعات الدامية الجارية فصولها في سوريا والعراق.

لقد واكبت هذه الصراعات والحروب الأهلية الدامية تغطيات أنتجت مئات الآلاف من الصور الفوتوغرافية وثقت للفظائع التي شهدتها تلك الحروب وسلطت الضوء عليها، ولهذا كانت الصورة أداة فاعلة لبعدين هما التوثيق من جهة وإبراز مكامن القوة لجهة أحد طرفي الصراع أو كليهما وهما ينتجان تلك الصور.

تهدف الصورة الفوتوغرافية الصادمة في كل حقبة إلى توجيه العقول نحو أيديولوجية محددة

وإدراكا منها لدور الصورة الفوتوغرافية وأهميتها، تورد صحيفة التلغراف عشر صور تقول إنها غيرت العالم، ومنها صورة مناضل ضد الفاشية في فرنسا في لحظة سقوطه صريعا وهو يحمل البندقية ونشرتها المجلة الفرنسية (Vu) في العام 1936، ثم صور الفطرـ القنبلة الذرية الأميركية على هيروشيما في العام 1945، ثم صورة أطفال فيتنام العراة بعد ضربهم بقنابل النابالم وهي صورة شهيرة تعود إلى العام 1972، ثم صورة شخص يقف في مواجهة طابور من الدبابات في ساحة تيانمين في الصين عشية الاحتجاجات العارمة التي شهدها الميدان عام 1989 وصولا إلى الصور الصادمة التي خرجت من أقبية التعذيب في سجن أبو غريب بعد الاحتلال الأميركي للعراق .

يذهب الباحث جيسبر سترومباك من جامعة ستوكهولم في قراءته “للصورة الفوتوغرافية الصادمة” أنها تهدف في كل حقبة من الزمن إلى هدف أساسي وهو توجيه العقول لوجهة سياسية أو أيديولوجية محددة، وأن من الأمور البالغة الأهمية لدى فهم الصورة الفوتوغرافية الصادمة هو إدراك الحقيقة الخلفية للصورة بمعنى الخطاب الذي تبثه.

ويضيف الباحث أنها تعكس المنظور الخاص بمنتج الصورة الفوتوغرافية وكيف ينظر إلى خصومه وأية رسالة يريد توجيهها لهم وإلى الرأي العام معا.

ومما لا شك فيه أن ما أورده الباحث سينطبق بشكل تام على الماكنة الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو ما صار يعرف بالدولة الإسلامية من خلال تغيير المسميات بعد احتلال الموصل في مطلع يونيو من هذا العام.

تويتر أصبح مرتعا خصبا للصور الصادمة التي تبثها داعش

لقد حرص داعش خلال فصول الصراع السوري على استخدام الصورة على أوسع نطاق ممكن وكانت وسائل الإعلام ومنها وسائل التواصل الاجتماعي صنوان فلم تكد تخلو يوما مما تنتجه ماكنة داعش من صور صادمة في أغلبها الأعم، وهو دونما أدنى شك فعل مقصود وممنهج يتصل بأقصى درجات التأثير المنشود.

تتجه بروباغاندا داعش في الصورة الصادمة إلى بلوغ غايتين أساسيتين: الأولى هي تأكيد مسيرة (الإنجازات شبه اليومية) في إلحاق الهزيمة بالخصوم والتقدم الذي تحرزه فصائل (الدولة)، أما الثانية فهي الحقيقة النفسية والذهنية الصادمة التي تسهم في خلخلة المفاهيم وإنتاج مفاهيم جديدة، فمن جهة سيكون هنالك من لديه استعداد مسبق للتماهي مع الصورة والاستجابة لمشروع (الدولة) وتبني مخرجاتها عبر الصورة ومن جهة أخرى ستلقي في قلوب أعداء الدولة الحنق الشديد والشعور بوطأة المحاصرة النفسية مع اشتداد هذه البروباغاندا وكثرة تسويقها إعلاميا في كل يوم وساعة.

ولعل الصور الصادمة في التعامل مع الخصوم سواء كانوا أسرى أو غير ذلك هي التي ينطبق عليها هذا الفهم، وذلك من خلال جعل قطع الرؤوس ورفعها أمام العدسة علامة فارقة للصورة الفوتوغرافية الصادمة، بصرف النظر عن أية منطقية أو حجة في إدانة هذا الشكل الوحشي والبربري في التمثيل بالإنسان مما يتقاطع مع الفطرة السوية للكائن البشري لكنه يذهب بعيدا في الاستعدادات الإجرامية وهو ما تراكم في علم الجريمة استقصاء للاستعدادات الوراثية ليس في القتل وإنما الإسراف في القتل والتمثيل بالخصوم.

في مقال نشر قبل بضعة أيام في صحيفة تلغراف يتحدث شاشانك جوشي، وهو كبير الباحثين في جامعة هارفارد، عن الدوافع الحقيقية لولع داعش بقطع الرؤوس وهو يتحدث عن ذلك السيل من الفوتوغراف الصادم الذي يتدفق على تويتر مثلا مما تبثه عناصر داعش في كل يوم تقريبا حتى صار تويتر مرتعا خصبا للصور الصادمة، وهو يرى أن داعش خلال ذلك السيل من الصور وتحكمه في المبادرة باستهداف الخصوم في الزمان والمكان يريد أن يظهر بمظهر القوة العسكرية المنظمة أكثر منه مجموعة من المتمردين.

ويشرح أن أسباب ولع داعش بإنتاج الصور الصادمة لقطع الرؤوس يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي الحرب النفسية أولا وإرهاب الخصم ثانيا وإشاعة بروباغاندا الموت ثالثا.

ومما لا شك فيه أن الصور الصادمة التي تلت احتلال مدينة الموصل ممثلة في الإعدامات وقطع الرؤوس اتجهت إلى أن هذه الفئة القليلة قادرة على المضي في أهدافها ولهذا فهي خاطبت الجندي المنكسر أو المرابط أن نهايته كمثل نهاية زملائه الأسرى الذين تم اجتزاز رؤوسهم بلا رحمة، فأي جندي قليل التدريب ضعيف الإرادة والخبرة في الحرب قادر على الثبات إزاء ثقافة الهلع التي تنتجها تلك الصور الصادمة؟.

رفع الرؤوس المقطوعة أمام العدسة علامة فارقة للصورة

ولعل البعد النفسي هو البعد الأكثر أهمية في القراءة التحليلية للصور الصادمة، فإلقاء الرعب في نفوس الخصوم لا شك أنه الغاية الأكثر أهمية لدى إنتاج الصور الصادمة، ولهذا سنشهد تكرارا نمطيا في شكل ومحتوى اللقطة الصادمة: الضحية مكبل اليدين إلى الخلف، يرتدي في الغالب زي الشرطة أو الجيش وأحيانا زيا مدنيا عاديا، الضحية قد يظهر معصوب العينين وأحيانا لا، راية التنظيم يجب أن تظهر في الصورة، المسلحون الملتحون يرتدون السواد غالبا ومدججون بالسلاح يحيطون بالضحية أو بالضحايا وفي النهاية النحر ورفع الرؤوس مع رفع الإصبع الواحد الذي يقترن غالبا بصيحات التكبير.

هذه العناصر التي تتكون منها اللقطة الصادمة هي جزء من نسقية متواصلة ينتج تكرارها إلى رسوخ معانيها ومفرداتها وخطابها المخفي لدى الطرف الآخر وذلك ليس إلا جزءا من الحرب النفسية.

يدرس الباحث تيلور دوردين في صحيفة (زيرو هيدج) الإلكترونية فحوى الفوتوغراف الداعشي الصادم من خلال دراسة واستقصاء عملية إعدام عشرات الأشخاص العراقيين بملابس مدنية ممن قيل إنهم الجنود المستسلمون في قاعدة سبايكر شرق تكريت، ويذهب الباحث إلى أن ذلك الفوتغراف الصادم لعشرات الصور التي أنتجها التنظيم لعملية الإعدام قد رافقتها بلبلة حكومية، فالحكومة تارة تنفي وتارة تؤكد حقيقة ما جرى والصور المروعة لعمليات الإعدام استطاعت أن تحقق هدفها في إشاعة الهلع، فالذين تم إعدامهم ليسوا بضعة أشخاص بل هم يفوقون أعداد من سقطوا ضحية الضربة الكيمياوية التي وقعت في سوريا مما يعد أكبر عملية إبادة جماعية في سوريا والعراق على السواء.

ويذهب الباحث إلى أن تحليل تلك الصور من خلال تجميع مابين 20 إلى 60 شخصا في ست مجموعات على الأقل مع إعداد قبور جماعية لهم هو ذروة في صناعة الرعب من خلال إنتاج الصور الصادمة.

لبروباغندا داعش غايتان: الأولى تأكيد مسيرة الإنجازات، أما الثانية فهي إلحاق الهزيمة النفسية بالخصوم

ولعل المفهوم الموازي الذي يمكن استخلاصه هنا هو أن مفهوم الجينوسايد أو الإبادة الجماعية يصبح أيضا شكلا آخر من أشكال الصور الصادمة في التدرج من مشاهد الأفراد الذين ينتظرون قدرهم في الذبح، يظهر هنا فيما بعد أحداث الموصل بأنه تصاعد في الشكل الصادم للعنف من خلال تلك الحشود التي تم أخذها في شاحنات كبيرة إلى الموت.

الباحثة راشيل ايلوكستون تشتق من سيكولوجيا الصور الصادمة ما تسميه بإدارة الرعب الذي مارسته داعش. فهي، مهما كان التقدم الذي تحرزه، إلا أن عمليتها لا تمر إلا من خلال إنتاج أقصى درجات الرعب والترهيب وهي غاية أساسية وأداة راسخة في منهج التنظيم وهي تضرب مثالا على ما جرى لجنود الفرقة 17 التابعة للجيش السوري في منطقة الرقة، حيث أنتجت داعش مزيدا من الصور الصادمة من خلال قطع رؤوس الجنود المستسلمين وتعليقها على أسيجة مقر تلك الوحدة المهزومة.

وإذا انسحب الأمر إلى مستوى أفراد من التنظيم على صعيد إنتاج الصور الصادمة، فلا شك أن مظهر مسلحين قادم بعضهم من أوروبا أو أميركا أو أستراليا ممن انخرطوا في التنظيم وهم يظهرون أمام العدسة رافعين رأسا أو رأسين من الجنود أو مظهر ذلك الطفل الذي يقوم بنفس العمل في صورة صادمة مازالت موضع حديث وسائل الإعلام في أرجاء العالم.

18