الفوسفات يصنع المستقبل في شمال السعودية لا النفط

الجمعة 2014/02/14
شبكة السكك الحديدية شرايين حياة للوصول الى مواقع الثروة النائية

طريف (السعودية) – كثفت السعودية في السنوات الأخيرة من جهودها لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط التي تراجعت مساهمته الى أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي مشروع وعد الشمال الذي سيتركز حول صناعة الفوسفات ليشكل رافدا كبيرا يعد البلاد بثروة تنافس ثروة النفط.

تبشر لوحات إعلانية على طريق سريع عند بلدة طريف الصحراوية الواقعة في أقصى شمال السعودية بمستقبل مشرق فيه مبان بواجهات زجاجية وأحياء سكنية تظلل أشجار النخيل شوارعها، لكنه مستقبل لن يعتمد على النفط السعودي. في الأسبوع الماضي تجمع عدد من وزراء الحكومة في خيمة قرب تلك البلدة القاحلة التي تبعد 1100 كيلومتر عن الرياض لتوقيع عقود لإنشاء مجمع صناعي حول منجم فوسفات وسكة حديدية جديدة تصل إلى ميناء على الخليج باستثمارات إجمالية تقدر بأكثر من 9 مليارات دولار.

ويمثل مشروع وعد الشمال جزءا من استراتيجية عامة في أكبر بلد مصدر للنفط في العالم، لبناء صناعات تحويلية ودعم القطاع الخاص بدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام. ويأتي المشروع في أعقاب الجبيل وينبع وهما مدينتان صناعيتان على ساحل الخليج وساحل البحر الأحمر أنشأتهما المملكة في الثمانينات مع نمو إنتاج البتروكيماويات في البلاد.

وتعمل الرياض أيضا على تطوير مدينة الملك عبد الله الاقتصادية قرب جدة والتي تديرها شركة إعمار المدينة الاقتصادية كمشروع للقطاع الخاص بأهداف مماثلة.

وقال بول غامبل المدير في إدارة المخاطر السيادية بمؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني “أعتقد أن هذا المنهج سيساعد على تنويع القاعدة الاقتصادية… وتنويع إيرادات التصدير وسيكون له أثر على التوظيف وإن لم يكن كبيرا. الشيء الوحيد الذي لا يشمله هو تنويع إيرادات الميزانية.”

ولم يكن لجهود تنويع النشاط الاقتصادي من خلال الصناعة في الفترة الأخيرة أثر يذكر على البيانات الرسمية المتعلقة بحجم صناعة النفط مقارنة بالاقتصاد بأكمله إذ إن نمو إيرادات النفط فاق نمو القطاعات غير النفطية. وتظهر أحدث بيانات من البنك المركزي أن صناعة النفط والغاز شكلت 49.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012 ارتفاعا من 37.7 بالمئة في 2002 مع تضاعف سعر خام برنت إلى نحو أربعة أمثاله في تلك الفترة. لكن كثيرا من المحللين يتوقعون انخفاض أسعار النفط في السنوات القليلة المقبلة مع زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة وهو ما سيسلط الضوء على فوائد تنويع الأنشطة الاقتصادية.

9 مليارات دولار حجم الاستثمارات التي سيتم ضخها في مشروع وعد الشمال لإنشاء مجمع صناعي حول منجم فوسفات وسكة حديدية جديدة

وقال وزير الاقتصاد السعودي محمد الجاسر للصحفيين في طريف إن السعودية بدأت بتصدير النفط الخام ثم انتقلت إلى التكرير ثم جمع الغاز وإنشاء صناعة البتروكيماويات وأعقب ذلك نشاط التعدين واسع النطاق. وأضاف أن صناعات كبرى ترتبط بنشاط التعدين.

وكان الجاسر يتحدث في موقع تحيط به الصحراء من كل الاتجاهات حتى تصل إلى الأفق لكنه سيكون عند اكتمال المشروع منطقة رئيسية لإنتاج المنتجات الفوسفاتية ومن بينها سماد الأمونيا والعلف الحيواني والبلاستيك والمنظفات.

وقد تتحول شركة التعدين العربية السعودية (معادن) التي تملك الدولة نصف أسهمها وهي أكبر مساهم في المشروع إلى لاعب كبير في صناعة المعادن العالمية على غرار التحول الذي مرت به شركة سابك التي بدأت من الصفر في الثمانينات وأصبحت اليوم من أكبر شركات الكيماويات الصناعية في العالم.

وسابك ليست مصدرا سعوديا رئيسيا للصادرات غير النفطية فحسب بل تزود العديد من المصانع في الجبيل وينبع بالمواد الخام.

وقال وزير المالية إبراهيم العساف لرويترز إن المنطقة ستضم صناعات عديدة لها فوائد كثيرة من ناحية التوظيف.

ومع اهتمام السعودية بخلق فرص عمل من خلال مشروع وعد الشمال تخطط المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني لإنشاء معهد جديد في منطقة قريبة لتخريج 300 شخص سنويا للعمل في القطاعات الصناعية.

وتتزايد أعداد السعوديين العاملين في المجالات التقنية التي كانت ذات يوم حكرا على الوافدين وهو اتجاه تعمل الحكومة على تشجيعه من خلال تعديل نظم العمل.

غير ان شركات كثيرة مازالت تقول إنها تفضل توظيف العمالة الوافدة التي تقل تكاليفها مقارنة بالعمالة السعودية ولديها خبرة أكبر. وكانت وزارة النفط السعودية تتجاهل إنتاج المعادن وظل النشاط على مدى عقود مقتصرا على استخراج الذهب في نطاق ضيق. وأنشأت الحكومة شركة معادن عام 1997 وفتحت القطاع للمستثمرين الأجانب والقطاع الخاص عام 2001.

وقال وزير البترول علي النعيمي للصحفيين إن الاستكشافات لم تكد تغطي السعودية وإن هناك فرصا كبيرة جدا لاكتشاف ثروات معدنية إضافية. وأضاف أن هناك نشاطا كبيرا واهتماما بالثروة المعدنية.


إشراك القطاع الخاص


وخصخصت السعودية شركة معادن جزئيا عام 2008 حين طرحت نصف أسهمها في البورصة السعودية واتجهت الشركة إلى مشروعات التعدين الضخمة مدعومة بالبنية التحتية التي تنفق عليها الدولة بسخاء.

وكان الدافع وراء إنشاء معادن وغيرها من الشركات التي أقامتها الدولة وعينها على الخصخصة لاحقا هو أن تكون وسيلة لتوزيع الثروة والاستفادة من خبرة القطاع الخاص في مشروعات التطوير.

وقال غامبل من مؤسسة فيتش “لديهم كثير من الشركاء الأجانب في هذه المشروعات الكبرى وهذا يمنح مزيدا من الثقة في عملية الفحص الفني وبالتالي فرص النجاح.”

بول غامبل: المشروع سيساعد على تنويع قاعدة الاقتصاد السعودي وتنويع إيرادات التصدير

وقد بدأت شركة معادن للفوسفات العمل في 2011 كأول مشروع في المنطقة بالشراكة مع سابك بطاقة إنتاجية تبلغ 11.6 مليون طن سنويا من خام الفوسفات في موقع حزم الجلاميد بمنطقة الحدود الشمالية لتغذية مصنع لسماد الفوسفات ثنائي الأمونيوم في رأس الخير على ساحل الخليج تبلغ طاقته الإنتاجية ثلاثة ملايين طن سنويا. وفي العام الماضي دشنت معادن ثاني مشروع كبير وهو مشروع مشترك للألمنيوم بقيمة 10.8 مليار دولار مع شركة ألكوا ومقرها الولايات المتحدة ويتألف من مصفاة للألومينا ومصهر ألمنيوم ومصنع درفلة في رأس الخير.

ويستورد المشروع المواد الخام حاليا لكنه في نهاية الأمر سيستخدم خام البوكسيت من منجم البعيثة في منطقة القصيم الذي من المقرر أن يبدأ العمل هذا العام بإنتاج يبلغ أربعة ملايين طن سنويا.


انطلاق ثورة الانشاءات


وتربط شبكة سكك حديدية جديدة بين منجم الفوسفات في الجلاميد ومنجم البوكسيت في القصيم والمجمعات الصناعية في رأس الخير وقد أنشأتها الشركة السعودية للخطوط الحديدية المملوكة للدولة وسيجري مدها إلى مدينة وعد الشمال.

وأنشأت الحكومة الميناء الواقع في رأس الخير وبعض المنشآت الأخرى بينما شيدت معادن محطة للكهرباء وتحلية المياه هناك لتغذية مشروعات الألمنيوم والفوسفات.

وسيضيف مشروع وعد الشمال المشترك مع سابك وموزاييك الأميركية إلى تلك المشروعات السابقة منجما في أم وعال قرب بلدة طريف وتسع منشآت صناعية ضخمة.

وقالت معادن في ديسمبر إنها حصلت على تعهدات تمويلية من البنوك بقيمة 4.2 مليار دولار وستقدم مؤسسات حكومية ثلاثة مليارات دولار. ومن المتوقع بدء الإنتاج عام 2016. وستمول المؤسسات الحكومية أيضا توسعة شبكة السكك الحديدية والميناء.

11