"الفوضى الخلاقة" و"الترتيب الهدام".. وأميركا

الاثنين 2016/11/07

اختارت أميركا خطة “الترتيب الهدام” لتحقيق النتائج نفسها في ما لو تم تطبيق نسخة وزيرة الخارجية السابقة، كوندوليزا رايس، المسماة “الفوضى الخلاقة”. والفوضى الخلاقة في نسختها الأصل ابتكار لليهودي “ناتان شارنسكي”، المنشق الروسي، الذي سجن في روسيا، والسياسي الإسرائيلي لاحقاً.

ففي الحالتين ستتحقق المصلحة الأميركية، ومصلحة حليفتها إسرائيل، وستبدو أميركا بريئة من خلق الفوضى في سوريا والعراق.

وفي حرص أميركا على ترتيب الأمور، انهدم بنـاء الدولتين والمجتمعين بأنـاقة تشـبه تـدمير فنادقهـا القديمة في ثوان، لتبني فنـدقا جـديدا يراعي متطلبات الرفـاهية والجدوى الخلاقة في اقتصاد ديناميكي.

في هذا الترتيب، بدا أن داعش نبت شيطاني نبت في أرض الشام والعراق دون معرفة أميركا، وإيران، وروسيا! لتنسجم البراءة الأميركية مع قلة رشد حاكم سوريا وحكام العراق؛ حاكم سوريا الذي صدّر فكرة أن الثورة على نظامه هي داعش وأخواته التي تـريد هدم نظـام علماني ممانع لإسرائيل وأميركا في الشرق العربي؛ وحكام العراق الذين عجزوا، برعاية أميركية إيرانية، عن إثبات جدوى الديمقراطية الأميركية في إنصاف مكونات الشعب العراقي.

أدوات أميركا اختلفت، وتكاد تكون خسائرها صفرا في العراق وسوريا، ما بعد 2011، على عكس الورطتين الأفغانية والعراقية، ما بين 2001 و2008، اللتين كبدتا أميركا الآلاف من الجنود، والتريليونات من الدولارات.

بالطبع، لا أحـد يعرف الأربـاح الاقتصادية التي جنتها أميركا في البلدين، فلولا أزمة الرهن العقاري عام 2007، ولولا الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، المقيمة حتى اليوم، ربما كانت أميركا تتحدث عن أرباح من تلكما المغامرتين. فأميركا أنفقت كثيرا، وقبضت كثيرا، مما دخل في حساباتها القومية، من تجارة السلاح، ومن رفع فزاعة الخوف في المنطقة، ومن استثمار تعنت السياسة الإيرانية في المنطقة لمصلحتها.

في كل الأحوال، يؤكد العارفون أن تباطؤ النمو في أميركا، والاقتصاد العالمي، عموما، يبقى نظريا، فخسائر البورصات تبقى نظرية، في انتظار موجة انتعاش جديدة ستأتي في السنوات التالية.

الترتيب الأميركي الهدام قابلته بالصدفة، أو التواطؤ، فوضى خلاقة بنسخة روسية فاجأت الجميع دون الأميركان، بحيث بدت أميركا عاجزة عن ترهيب، أو ترغيب، الأطراف المتحاربة.

الخداع البصري الأميركي انطلى على القـوى الإقليمية في المنطقـة، بما فيها روسيا. لكن في النتيجة، بدا أن إيران متناغمة مع أميركا، وأنها تبصر الصورة الحقيقية التي رسمتها أميركا، بحيث استطاعت إخماد نار ملفها النووي المرهون لقوة “خمسة زائد واحد”، في الوقت الذي كانت فيه من أهم اللاعبين في سوريا والعراق قبل التدخل الروسي الصريح منذ خريف 2015.

وعن بدايات الفوضى، أسست أميركا لظاهرة “المجاهدين العرب في أفغانستان” في ثمانينات القرن الماضي؛ التي تحولت إلى “قاعدة” أسامة بن لادن في التسعينات، فاستغلتها فيالق الحزب الجمهوري الشرسة حربا على “الشر” مازال لهيبها يشعل الحروب في كل مكان مرت فيه.

وعندما حلت فيالق الحزب الديمقراطي محل سالفتها، تابعت حربها بأدوات مختلفة، مقتصدة في الدم الأميركي لتبييض صفحة البيت الأبيض، ومنتهجة سياسة مترددة حريصة على ترتيب المفردات المبعثرة في المنطقة التي غادرها الاتحاد السوفييتي، دون أن يملأ الاتحاد الروسي مكان سلفه، على الرغم من الدب الروسي هو جوهر الدولتين، في السياسة والحرب.

الدب الروسي، رمزيا، يحطم مليون جرة للحصول على جرة عسل واحدة، وهذه هي فوضاه الموروثة من الاتحاد السوفييتي، بينما لا يبدو الترتيب الأوبامي مختلفا في النتيجة عن الفوضى البوتينية. المختلف أن أميركا لم تعد مضطرة لخلق الفوضى، فهي متفرغة لترتيب صورة تدعي “ترتيب” الفوضى لصالح أبناء المنطقة، بمن فيهم داعش نفسها.

لكن داعـش ليس كل الفوضى. وربما تكون الفوضى التي يتصدرها التنظيم في كامل اللوحة البصرية الخادعة أقل أنواع الفوضى دواما، مقارنة مع فوضى التواطؤ الخفي والمكشوف بين نظاميْ العراق وسوريا، برعايات أميـركية- روسية- إيرانية، متتابعة، على اعتبار أن هؤلاء يخوضون معارك استراتيجية، كلٌّ بأدواته، فيما يخـوض داعش معـارك تكتيكية، بين حيين، أو مدينتين، أو شارعين، ويحتسب على الناس أنفاسهم ولباسهم وزلات ألسنتهم.

ما لا يدركه أتباع داعش، ونظاما العراق وسوريا، بافتراض حسن النوايا، أنهم جميعا أدوات في الفوضى والترتيب، وما لم يستطيعوا توجيهه في السلم لن يستطيعوا ضبطه في الحرب. هذا إذا افترضنا أن لهؤلاء إرادة مستقلة مستندة إلى ادّعاء امتلاك مشروع واقعي، أو تاريخي، لشعوب المنطقة التي كانت في طريقها إلى تكوين مجتمعات متينة وسائرة في اتجاه خلق مواطنة قانونية تذيب الفوارق الطائفية في ردهات المحاكم.

مشروع تلك المواطنة القانونية بدأ بالتآكل بفعل تواطؤ قومية فاشية كانت صاعدة منذ بدايات سبعينات القرن الماضي. ذلك التآكل نضج مع حلول الترتيب الأميركي للفوضى الخلاقة، حين بدأ يعطي نتائجه منذ ذلك التاريخ، تتويجا لنجاح فيالق الانقلابات التي بدأت زحفها منذ اليوم للاستقلالات الاسمية لدول المشرق العربي.

وكوننا، اللحظة، على بعد ساعات فقط، من تنصيب الرئيس الأميركي الـ45 في تاريخ الدولة الأعظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا بدّ من إضاءات سريعة على إنجازات باراك أوباما الذي يستعدّ لتسليم العهدة إلى الرئيسة، أو الرئيس، في آخر شهرين من رئاسته. فأوباما وضع أميركا على عتبة تجاوز الأزمة الاقتصادية، بخلق ملايين فرص العمل في عهديه، ووفر دماء الكثير من الأميركيين في إحجامه عن خوض حرب جديدة بالأصالة.

هذان إنجازان استراتيجيان كبيران لأوباما، خاصة إذا علمنا أن الأميركان شغوفون بسباقات التتابع. وسباقات التتابع يتنافس فيها أربعة رياضيين من كل فريق في المسافات القصيرة، التي تشكل في مجموعها مسافة متوسطة على الأكثر.

لكن الأميركان خسروا كل سباقات التتابع، أو معظمها، منذ أولمبياد بكين 2008، أي قبل شهور من تولي أوباما عهدته الرئاسية الأولى في يناير 2009.

مع ذلك، تشكل هذه السباقات دليلا على العمل الدؤوب والمؤسسي، في الرياضة والسياسة، حيث يتنافس أعضاء الفريق في ما بينهم، ومع الفرق المنافسة.

هزيمة الفرق الأميركية في سباقات التتابع جاءت على يد الموهبة الجامايكية الخارقة يوسين بولت، وعندما ينقضي عصر بولت سيعود الأميركان إلى الفوز من جديد.

أما العرب، فيخسرون دائما، في سباقات التتابع، والماراثون، والمشي، ما دامت خياراتهم ما بين فوضى الدكتاتور، وفوضى داعش، والترتيب الأميركي الهدام.

كاتب وصحافي سوري

9