الفوضى السياسية تمنح أخبار التطرف الكاذبة أرضا خصبة للانتشار

يخلف الواقع السياسي المضطرب تدهورا حادا في أوضاع الصحافة والإعلام، وبشكل خاص في ليبيا التي يعاني فيها الصحافيون والمدونون إلى درجة بلغت حد الاغتيال، مع انتشار الأخبار الكاذبة ذات المحتوى المتطرف على مواقع التواصل الاجتماعي.
الأربعاء 2017/12/06
خطاب الكراهية ينعكس مباشرة على الصحافيين

تونس - استعرض خبراء وصحافيون التحديات الجديدة التي تواجه قطاع الإعلام والصحافة في المغرب العربي، بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي وتفشي الأخبار الكاذبة والدعاية المتطرفة على مختلف المنابر، خلال ندوة دولية في تونس بعنوان “شبكات التواصل الاجتماعي والحريات: تحديات المنطقة المغاربية”.

واستعرض محمد الأصفر، الأستاذ بجامعة الإعلام الليبية، تجربة الصحافة في ليبيا وطبيعة الخطاب السائد وتأثيراته على الصحافيين أنفسهم، قائلا إن هناك انتشارا واسعا لخطاب الكراهية والعنف والاستغلال للهجرة غير الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح أن الواقع الإعلامي الحالي في ليبيا ترك “تأثيرا واضحا من خلال ارتفاع استهداف الصحافيين والمدونين إلى درجة الاغتيال، ثم تابع قائلا إن “عدم الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد ساهم في نشر الفتن والفوضى وأيضا في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية”.

وتناولت الندوة التي عقدت على مدى يومين في مدينة الحمامات التونسية، الأسبوع الماضي، التجارب بين مختلف الدول الغربية وفي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وأهمية تحديد المفاهيم العلمية وصِلتها بالمجال المهني على مستوى الإعلام والدفاع عن حقوق الإنسان في ما يتعلق بقضايا التطرف العنيف والتمييز ضد النساء وحريات التعبير والأخبار الكاذبة. وكانت الندوة من تنظيم المركز الدولي للصحافة والإعلام التابع لجامعة أوسلو للعلوم بالنرويج ومركز المرأة العربية للتدريب والأبحاث في تونس.

وأشار الأصفر إلى عجز سلطات ليبيا عن ضمان حريات التعبير وحماية الصحافيين والمدونين من تبعات التطرف العنيف، مضيفا أن “هناك تضخما ووتيرة مرتفعة لخطاب التحريض وتأجيج الخلافات بين مختلف التشكيلات المسلحة”، فيما أورد أن هناك نوعا آخر من القضايا التي تكون مواقع التواصل الاجتماعي منصة لها، خاصة الهجرة غير الشرعية.

وتطرقت الندوة أيضا إلى قضايا هامة ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي وواقعها في دول المنطقة، منها “الجهاد الإلكتروني” و”البروباغاندا” و”الأخبار الكاذبة” و”تأثير الحركات التغييرية على السياسات العامة”.

طارق بنهدا: التنظيمات المتطرفة تستغل "الويب المظلم" لإبقاء المواقع غير مرئية

وتناول الصحافي النرويجي أفشين إسمالي، مسألة الحضور الإعلامي للتنظيمات المتطرفة، من القاعدة إلى داعش، وأشار إلى أن بعض القنوات الفضائية العربية ساهمت في إبراز عدد من قادة هذه التنظيمات، من خلال بث أشرطتها وإجراء حوارات إعلامية مع البعض من أفرادها.

وأضاف أن “هدف هذه الكيانات المتطرفة إعلاميا كان صناعة مجتمع عالمي للتطرف العنيف”. ولفت إلى أن “السوشال ميديا كانت دوما هدفا للتنظيمات الجهادية من أجل التدريب على الأسلحة، والتجنيد، ونقل الأخبار والحياة اليومية للمقاتلين وعائلاتهم ونشر التعاليم الدينية، إضافة إلى هدفها الأساسي وهو تدجين جيل جديد من خلال التأثير عليه”، فيما أشار إلى أن تطرف التنظيمات بلغ درجة “احتكار مصالح الاتصالات في المناطق التي تسيطر عليها، وتدميرها في بعض الأحيان”.

من جهته توقف الصحافي المغربي طارق بنهدا، عند أهمية الحرب الإلكترونية على التطرف العنيف من خلال تحليل الخطاب الإعلامي للتنظيمات المتطرفة، خاصة تنظيم داعش، على أن الأخير اعتمد في مراحله على فكرة “اغتصاب الحشود”، من المنظور السوسيولوجي للتأثير على الجماهير، مشيرا إلى أن “هناك حربا نفسية يقودها التنظيم لا تسقط قتلى، بل ضحايا معنويين”.

وقال إن التنظيمات المتطرفة، تستغل أيضا ما يسمى بـ”الويب المظلم”، الذي يبقي “مواقع غير مرئية على محركات البحث وتستغل في التجارة غير الشرعية مثل تبييض الأموال وبيع الأسلحة والمخدرات”، مشيرا إلى أن خطر الإٍرهاب الإلكتروني دفع عددا من الدول إلى تجهيز “جيش احتياطي إلكتروني يضم خبراء وهاكرز محترفين”، بجانب اعتماد قوانين مكافحة للإرهاب وصلاحيات واسعة لأجهزة المخابرات “للتجسس على المكالمات الهاتفية وزرع برامج تجسس في الكمبيوترات ومراقبة البريد الإلكتروني والحسابات البنكية”.

واعتبر بنهدا أن جدلية “مكافحة الإرهاب والحريات العامة”، تتقاسمها ثلاثة مستويات، تتمثل بـ”السياسي الذي يرى في توسيع الحريات خطرا يرفع من وتيرة التطرف، والباحث المحلل الذي يعتقد أن منح المزيد من الحريات الشخصية والمدنية يساهم في تقليص التطرف العنيف، فيما يرى فريق النشطاء الحقوقيين أن مسألة الحريات خط أحمر وأن الاستبداد هو حل مع المتطرفين”.

وخلص إلى أن “مكافحة التطرف والإرهاب لا يجب أن تبرر صياغة قوانين تحد من الحريات العامة للأفراد”.

بدوره، تحدث إبراهيم مخلص، الصحافي والباحث المغربي، عن موضوع “الأخبار الكاذبة: التحديات الجديدة لوسائل الإعلام”، وقال إن ما يشجع على الأنباء غير الصحيحة في وسائل الإعلام هو “التسابق نحو البحث عن قراء ونقرات أكثر، وغياب الأخلاق المهنية والإعداد اللازم للصحافيين، وعدم وجود إطار قانوني، وأيضا رغبة السلطات في إحصاء ومعرفة توجه الرأي العام حيال قضية ما”.

ثم تناول البيئات التي تنتشر فيها الأخبار الكاذبة، قائلا إن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بالمواقع الإلكترونية الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، يضاف إليها الصحافة المكتوبة ثم القنوات الإذاعية والتلفزيونية.

ويرى مخلص ضرورة مساعدة الصحافيين على الوصول السلس للمعلومة، كوسيلة للقضاء على الأخبار الكاذبة، بجانب “قطع الطريق على ممتهني الصحافة من غير المهنيين، وتطوير آليات التتبع على المواقع الإخبارية”، فيما شدد على أن هناك تطلعات من الجسم الصحافي المغربي للمجلس الوطني للصحافة الذي سيكون حاسما في تعزيز أخلاقيات الصحافة.

18