الفوضى المطلقة وانفجار الهويات

السبت 2016/06/04

أثار الحجر الذي ألقتة يدُ مجلَّة "الجديد" في بحيرة حياتنا الثقافية التي تحجَّرت ينابيعها، أو كادت، وفي بركة حياتنا الفكرية الرَّاكدة إلى حدٍّ واسعٍ منذ أمدٍ بعيد، دوائرَ شُكوكٍ وتساؤلاتٍ تطال جميع المصادر والمرجعيات والمراجع التي أوشكتْ على التَّكلُّس النِّهائي الذي أعجزها عن رفد كلتيهما بماء الحياة، وذلك إنْ لم نقلْ إنها قد أمعنت في ولوج سراديب التَّكلُّس المزمن إلى حدٍّ أنها حكمت على كلتيهما، بحيرةً وبركةً، بجفاف عميمٍ لا ينبئُ بشيء عنهما سوى قرب تلاشيهما!

جاء الحجرُ الذي قذفتهُ يدُ "الجديد" في بحيرة حياتنا الثقافية المتكلِّسة وبركة فكرنا المتحجِّر الرَّاكد، محمولاً على كفِّ غلاف عددها السادس عشر، الصَّادر في أيار (مايو) من هذا العام. ولم يكن هذا الكفُّ إلا العنوانَ الرئيس الذي ارتسم على الغلاف حاملاً مصطلح "انفجار الهُويَّات" مقروناً بعبارة توضيحية هي بمثابة أصابعَ الكفِّ وقد أخذت هيئة عنوان فرعي يُشير إلى "الصِّراع السياسي والثقافي على أرض العرب".

ولعلنا نُلاحظ، منذُ البدء ووفق منطق التشويق المأخوذ به في عالم الصحافة وغيرها من فنون التواصل الإنساني وآدابه، أنَّ هذه العبارة التوضيحية تأتي على هيئة عنوان فرعيٍّ لتقولَ مبتدأ غيرَ مشفوع بخبرٍ يَلْحَقُ به ليُغْلِقَ قضيتهُ على نهايةٍ ما".

ويبدو أنَّ تفاصيلَ واقعِ الحال القائم في الواقع الفعليِّ في بلادنا، والمواد المنشورة في الملف المُشار إليه، إنَّما تقولان لنا إنَّ أحداً من صُنَّاع مجلَّة "الجديد"سواء ناشرها أورئيس تحريرها أو أيّ من مستشاريها أوكُتَّابها أومراسليها، أو غيرهم من المساعدين التحريرين والفنيين ذوي الجهود الضروريَّة والمُقدَّرة، لم يقع على ذلك "الخبر اليقين"، بعدُ، ليُخبرها به!

ولعلَّهما يقولان لنا، أيضاً،أنَّ ما يتوافر لديهم جميعاً، وبالتالي لدى مجلَّتهم، من حقائق ومعطيات ذات صلة بمسألة "انفجار الهُويَّات" المطروحة للتَّأمُّل العميق والنقاش الجذريِّ الحُرِّ،لا يرقى إلى مستوى المعايير التي تعتمدها هذه المجلَّة في إقرار نشر ما تنشره لتذيعه في النَّاس، ناهيك عن أنه لا يستجيب لمعيار اليقين الذي يُتيحُ، رغم ما يُصاحبهُ من ظلال شك أو ربَّما بسبب ذلك، إمكانية التقاط علامات تدلُّ على شروع الخبر، الذي يُكْمِلُ جملة العنوان الفرعي النَّاقصة مبنىً ومعنىً وصيغةً ودلالةً، في التَّشكُّل، وإنْ على نحوٍ استشرافي ظّنيٍّ قد يُنبئ بالمآلات الممكنة لهذا الصراع الدَّامي الذي ظلَّ مكبوحاً على مدار قرونٍ حتَّى حُفِّزت، في العقود الأخيرة من القرن الماضي، عوامل تفجيره، ليشتعلَ لاهباً ومُدمِّراً على نحو توحُّشيٍّ غير مسبوق، مع بدء القرن الحادي والعشرين الذي دَشَّن ولوج البشرية ألفيَّةً ثالثةً من مراحل تاريخها وصيرورة أزمنتها المحسوبة وفق التقويم الميلادي (الغريغوري) الذي أُرِيدَ لهُ أنْ يرتكز إلى لحظة ميلاد السيد المسيح لتحديد مسارات هذه الصيرورة بين ما قبل ميلاده وما بعدهُ.

ومن غير حاجة إلى الخوض في تحليلات قد تُنْسَبُ فُروضها التأسيسية، وتصوُّراتها المنهجية،وإجراءاتها التحليلية والتفسيرية، إلى "عقلية المؤامرة" ومقاصدها المُضلِّلة القائمة على رؤية كلِّ شيء في مرآة "نظرية مؤامرة"، والاكتفاء بالإطلال عليه، وتفسيره، من منظور عدساتهاالمشروخة أو العَكِرة؛ وبعيداً عن الانهماك في استعراض تفاصيل معلومات وحقائق معطيات باتت مُتداولةً ومبذولة للملأ، فإنَّه لم يعد خافياً، الآن، أنَّ الثلاثاء الدَّامي، الموافق الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، قد تضمَّن ساعة الصِّفر التي حدَّدت لحظة الشروع في تنفيذ استراتيجيات ومخططات عُدوانية تفجيرية (قيل دائماً إنَّها وقائيَّة أو احترازيَّة أو استباقيَّة) سبق تجهيزها، أو جُهِّزت على عجلٍ، من قبل قوى عالمية مهيمنةَ وكيانات ذات مصالح واسعة، وهيمنة طاغية، وطغيان غير مسبوق، لاستهداف بلاد العرب، والشرق الأوسط بأسره بـ"الفوضى المطلقة"، التي زُعِمَ دائماً أنَّها "فوضى خلَّاقة"، وذلك عبر تعريض هذه البلاد لسلاسل انفجاراتٍ اقتصادية وثقافيَّة وسياسية واجتماعيَّة ومجتمعيَّة وأيديولوجية ليس أوَّلها، ولن يكون آخرها، مسلسل "انفجار الهُويَّات"!

كاتب من فلسطين

16